مخطط الموضوع
التعريف بالمقياس

مقياس: أنثروبولوجيا الاتصال
أستاذ المقياس: د. جودي خرفية
البريد الإلكتروني:dr.kherfia.djoudi@gmail.com
المدرسة الوطنية العليا للصحافة وعلوم الإعلام أمحمد يزيد
طبيعة المقياس: الوحدة الاستكشافية
الحجم الساعي للقمياس: 3 ساعات أسبوعيا (محاضرة + أعمال موجهة)
المعامل:02
الرصيد:01
السداسي: الرابع.
الجمهور: طلبة السنة الثانية ماستر (جميع التخصصات)
التقييم: امتحان في نهاية السداسي
وصف المقياس:
تهتم الأنثروبولوجيا بدراسة الانسان في كليته، وبذلك تتقاطع الأنثروبولوجيا مع العديد من الاختصاصات المعرفية التي يشكل فيها الإنسان اللبنة المعرفية الأساسية بأبعاده المختلفة، ويعتبر الاتصال واحد من أهم الميادين المعرفية التي اندمج فيها مع المعارف الأنثروبولوجية من خلال إسقاط النظريات والمناهج الأنثروبولوجية لدراسة السلوك الاتصالي للإنسان ضمن أنساق ونظم اجتماعية وثقافية، وبذلك تتأسس الأنثروبولوجية الاتصالية كأحد فروع الأنثروبولوجية التي من مهامها تأطير العملية الاتصالية علما وممارسة ضمن فضاءات اجتماعية وثقافية.
معلومات الاتصال

الأستاذة: د/جودي خرفية
المدرسة الوطنية العليا للصحافة وعلوم الإعلام
البريد الإلكتروني: dr.kherfia.djoudi@gmail.com
أيام التواجد بالمدرسة: طيلة أيام الأسبوع من 08 صباحا إلى غاية 15 مساءا
أهداف المقياس

أهداف المقياس
بنهاية دراسة مقياس أنثروبولوجيا الاتصال يكون الطالب قادراً على أن:
- يعرّف المفاهيم الأساسية المرتبطة بالأنثروبولوجيا والأنثروبولوجيا الاتصالية ويميّز بينها.
- يشرح التطور التاريخي للفكر الأنثروبولوجي ومختلف التيارات النظرية المفسرة للظواهر الاجتماعية والاتصالية.
- يحلل السيرورة العلمية التي أسهمت في نشأة وتطور الأنثروبولوجيا الاتصالية ومجالات اشتغالها.
- يفسر المرتكزات النظرية والنماذج العلمية المؤسسة لأنثروبولوجيا الاتصال وعلاقتها بدراسة الممارسات الاتصالية والثقافية.
- يوظف المفاهيم والنظريات الأنثروبولوجية في فهم وتحليل الظواهر الاتصالية داخل البيئات الاجتماعية والثقافية المختلفة.
- يطبق الأدوات والإجراءات المنهجية للمنهج الإثنوغرافي في دراسة قضايا الإعلام والاتصال.
- يصمم مخططاً أولياً لدراسة إثنوغرافية تتناسب مع موضوعات البحث في علوم الإعلام والاتصال.
- يقيم ملاءمة المنهج الإثنوغرافي لدراسة الظواهر الاتصالية التقليدية والرقمية.
مخرجات التعلم:
بعد استكمال المقياس سيتمكن الطالب من:
- اكتساب معرفة نظرية بمفاهيم الأنثروبولوجيا والأنثروبولوجيا الاتصالية.
- التمييز بين المدارس والتيارات الأنثروبولوجية الكبرى.
- تحليل الأبعاد الثقافية والاجتماعية للاتصال.
- توظيف المنهج الإثنوغرافي في بحوث الإعلام والاتصال.
- بناء قراءة نقدية للظواهر الاتصالية من منظور أنثروبولوجي.
المكتسبات القبلية

يشترط في الطالب قبل دراسة مقياس أنثروبولوجيا الاتصال أن يكون قادراً عل
التعرف على المفاهيم الأساسية للاتصال والإعلام والثقافة والمجتمع
.التمييز بين المناهج العلمية المستخدمة في البحوث الاجتماعية والإنسانية
.استيعاب المبادئ العامة للبحث العلمي ومراحله
توظيف مهارات القراءة والتحليل النقدي للنصوص العلمية
.الإلمام بالمدارس والنظريات الأساسية في علوم الإعلام والاتصال.فهم العلاقة بين الثقافة والسلوك الاجتماعي والتفاعل الإنساني
- امتلاك قدرة أولية على الملاحظة والوصف والتحليل
اشرح دواعي الاختلاف معتمدا على الأطر العلمية والنظرية التي فسرت ذلكعندما تنتقل إلى منطقة جغرافية أخرى تختلف ثقافياً عن منطقته الأصلية، فلاحظ اختلافاً في طرق التواصل والرموز المستعملة والعادات الاجتماعية
كيف نفسر تداخل المعطيات العلمية للعلوم الإنسانية والاجتماعية وتطورها في ميلاد أنثروبولوجيا الاتصال
المحاضرة الأولى: مدخل إلى الأنثروبولوجيا
المحاضرة رقم (1): مقدمة في الأنثروبولوجيا
الأهداف التدريسية من المحاضرة:
- تعريف مفهوم الأنثروبولوجيا.
- شرح نشأة الأنثروبولوجيا وتطورها التاريخي.
- التمييز بين الأنثروبولوجيا والعلوم المجاورة.
- تفسير الطبيعة الشمولية للأنثروبولوجيا.
- تصنيف الأهداف الأساسية للبحث الأنثروبولوجي
1. مفهوم الأنثروبولوجيا
تتكون كلمة أنثروبولوجيا من مقطعين (Anthropo) أي الإنسان، والثاني وهو (Logy) أي العلم أو الدراسة، ومعناها "دراسة الإنسان" أو "علم الإنسان"، غير أن الترجمة للعربية تجعل من المصطلح محدودا وغير ذي جدوى، فبهذا المعنى (دراسة الإنسان) تتقاطع الأنثروبولوجيا مع علوم أخرى مثل علم النفس وعلم الاجتماع والتاريخ والبيولوجيا الإنسانية[1].
إن الدراسة التاريخية للمعاني المتعددة للأنثروبولوجيا تكشف عن تغير وتطور معانيها التي ترتبط بتعدد المرجعيات النفسية والاجتماعية والبيولوجية والمشروطة بمحددات معرفية. ومن منظور بيولوجي يهتم بالخصائص البيولوجية والتشريحية للإنسان، بينما تهتم الأنثروبولوجيا الاجتماعية بالبنى الثقافية والعرقية، ويساهم تنوع وتعدد هذا المنظور في المجال المعرفي للأنثروبولوجيا[2].
وأشار الباحث جان بوارييه J. Poirier إلى أن الأنثروبولوجيا ظهرت في أعمال علماء الطبيعة في القرن الثامن عشر، أي دراسة التاريخ الطبيعي للإنسان. ينسب بوارييه الفضل إلى العالم الألماني يوهان بلومنباخ J. Blumenbach باعتباره أول من أدخل مصطلح الأنثروبولوجيا في المناهج الدراسية، وكان يقصد به "تدريس التاريخ الطبيعي في المقررات الجامعية".
يعرف القاموس الفرنسي الأنثروبولوجيا بأنها "شعبة العلوم التي تدرس الكائن الإنساني في كل أبعاده مرة واحدة، الهيكلة والتاريخ الفيزيقي، وعلى المستوى الثقافي مثل الدين والنفس والجغرافيا"، واتفق كلود ليفي شتراوس مع القاموس الفرنسي في تعريف الأنثروبولوجيا فهو يرى أن الأنثروبولوجيا "تهدف إلى فهم شامل وكلي لعلاقة الإنسان بامتداده التاريخي وبيئته الجغرافية".
يرى تايلور أن الأنثروبولوجيا هي "الدراسة البيو ثقافية المقارنة للإنسان"، كما أنه قام بوضع الأسس العلمية للانثروبولوجية من خلال فرضيته الشهيرة "وحدة النفس البشرية" وهي الفرضية التي شكلت تحولا عظيما في تعدد المعاني لدى الإثنوغرافيين وفي الالتزام الشامل والإنساني بالمساواة والقيم الخلقية لكل النوع البشري، وأدخلت في الأنثروبولوجيا نزعة النسبية Relativism للحدّ من هيمنة النزعة المركزية الفيكتورية[5].
تصف الباحثة الأمريكية مارجريت ميد الأنثروبولوجيا بأنها "تقوم بدراسة الخصائص الإنسانية، البيولوجية، والثقافية، للنوع البشري عبر الزمان وفي سائر الأماكن وتحليل الصفات البيولوجية والثقافية المحلية، كأنساق مترابطة ومتغيرة، وذلك عن طريق نماذج ومقاييس ومناهج متطورة وتحليل النظم الاجتماعية والتكنولوجية وبحث الإدراك العقلي للإنسان وابتكاراته ومعتقداته ووسائل اتصالاته وبالتالي تعمل الأنثروبولوجيا على ربط وتفسير نتائج دراستها في إطار نظريات التطور أو مفهوم الوحدة النفسية المشتركة بين البشر"[6].
يمكن وضع إطار أكثر تحديدا للأنثروبولوجيا من خلال[7]:
- الأنثروبولوجيا هي الدراسة العلمية للإنسان.
- مبحث علمي متخصص يقوم على دراسة التطور التاريخي والمقارن للإنسان من المرحلة البدائية إلى المرحلة الحالية.
- التحقيق في استراتيجيات الحياة التي يتعلمها ويشاركها الناس كأعضاء في المجموعة الاجتماعية البشرية.
- دراسة الخصائص وطرق العيش المشتركة بين الناس كأعضاء في بيئات مختلفة.
- تقوم بإنجاز تحليلات اجتماعية للمواضيع الاجتماعية المادية والإبداعية غير المادية كالمعتقدات والقيم والممارسات المؤسسية.
- تسعى الأنثروبولوجيا إلى تقديم مقاربة علمية مقارنة تشمل معرفة كيف ولماذا يتشابه الناس ويختلفون من خلال فحص مقارن بين ماضيهم وحاضرهم البيولوجي والثقافي للمجتمعات البشرية المعاصرة.
تُوصف الأنثروبولوجيا بأنها أكثر العلوم إنسانية والأكثر علمية بين العلوم الإنسانية، فهي تقوم على الدراسة المقارنة للبشر ومجتمعاتهم وعوالمهم الثقافية من خلال الكشف عن التنوع البشري وتفسير التشابه وفهم طبيعة التشارك بين بين جميع البشر[10].
فالأنثروبولوجيا بوصفها دراسة للإنسان في أبعاده المختلفة، البيو فيزيائية والاجتماعية والثقافية، فهي علم شامل يجمع بين ميادين ومجالات متباينة ومختلفة بعضها عن بعض، اختلاف علم التشريح عن تاريخ تطور الجنس البشري والجماعات العرقية، وعن دراسة النظم الاجتماعية من سياسية واقتصادية وقرابية ودينية وقانونية وما إليها... وكذلك عن الإبداع الإنساني في مجالات الثقافة المتنوعة التي تشمل: التراث الفكري وأنماط القيم وأنساق الفك والإبداع الأدبي والفني، بل والعادات والتقاليد ومظاهر السلوك في المجتمعات الإنسانية المختلفة، وإن كانت لا تزال تعطي عناية خاصة للمجتمعات التقليدية[11].
2. أهداف دراسة الأنثروبولوجيا:
تسعى الأنثروبولوجيا بسبب طبيعتها وميدان اشتغالها لتحقيق الأهداف التالية[14]:
- وصف مظاهر الحياة البشرية والحضارية بدقة، بالنظر لمعايشة الباحث المجموعة المدروسة والتعرف على ظروفها وسلوكياتها.
- دراسة وتصنيف مظاهر الحياة البشرية والحضارية وترتيبها في سياق الترتيب التطوري الحضاري العام للإنسان.
- فهم أصول وأسباب التغير وعملياته بدقة علمية من أجل للوصول ومقارنة التراث الإنساني وربطه بالحاضر.
- استنتاج المؤشرات والتوقعات لاتجاه التغيير المحتمل، في الظواهر الإنسانية/الحضارية التي تتمم دراستها، وبالتصور بالتالي لإمكانية التنبؤ بمستقبل الجماعة البشرية التي أجريت عليها الدراسة.
3. فروع الأنثروبولوجيا:
أسهم تطور علم الأنثروبولوجيا وتعدد الرؤى البحثية إلى تنوع فروعها ومجالاتها المعرفية، ويمكن الاستدلال على ذلك على النحو التالي:
1) الأنثروبولوجيا البيولوجية: ويشار إليها بالأنثروبولوجيا الفيزيقية، التي تدرس الجوانب الفيزيقية للإنسان (تركيب جسم الإنسان وتنوعه البيولوجي) لذا فهي تهتم بدراسة أسباب التنوع واتجاهات التغيير وأسباب التباين البيولوجي والاختلافات الوراثية، كما تختص بدراسة الإنسان من الناحية التطورية وتحليل الجماعات البشرية.
2) الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية: يعتبر الموضوع الأساسي في الأنثروبولوجيا الثقافية هو الثقافة الإنسانية وما تشمله من عادات ومعتقدات وتقاليد تخضع كلها لظروف ثقافية معينة محددة بالأزمنة والأمكنة، بمعنى أن للإنسان في كل زمان ومكان له ثقافته وتراثه الخاص والمميز. ولكي يبقي الاهتمام بثقافة المجتمعات داخل سياق اجتماعي حامل للمنتجات الثقافية فقدرة الانسان على انتاج ثقافة هي ما يميزه عن باقي الكائنات الحية الأخرى، خاصة في العناصر المادية مثل الملبس والأدوات وغيرها، دون إغفال الطابع المميز والفريد للعلاقات الاجتماعية ضمن دائرة أنساق الحكم والنظم الاجتماعية.
وخلال الفترة 1915-1930 كانت زاخرة بالأبحاث والمناقشات في ميدان الأنثروبولوجيا الثقافية وبصفة خاصة لدى العلماء الأمريكيين، أين ازدهرت المدرسة التاريخية التي أنشأها بواز فقد أعطى بوضوح المعلومات الوصفية عن الثقافة في إطار تحليلي وتفسيري للمعطيات الثقافية من خلال عمليات تكوينها وتطويرها.
ويشمل التعريف الجامع للثقافة مضامين الكل المركب من المعرفة، المعتقدات، العادات، التقاليد... وكل مكتسبات الإنسان باعتباره عضوا في المجتمع، لذا تنشأ الأنثروبولوجيا الثقافية في تفاعل الجماعة مع البيئة المحيطة، والتي تسمح بالملاحظة المباشرة لسلوكيات الأفراد فهي تدرس سلوكيات الأفراد الحاملين لثقافة في إطار كلي موحد، فضلا على أنها تدرس الاجتماعي في تطوره من خلال عمليات التفاعل والاحتكاك وغيرها، وكل ما يسمح بتبني معايير ثقافية متبادلة، لذا تعرف الأنثروبولوجيا الاجتماعية بأنها الدراسة التكاملية المقارنة القائمة على ملاحظة السلوك الإنساني في مضمونه الاجتماعي.
3) الأنثروبولوجيا اللغوية: تركزت الأنثروبولوجيا اللغوية على أعمال هربرت سبنسر الذي تأثر بالبيولوجيا التطورية لتشارلز داروين Charles Darwin من خلال إسهاماته في بحوث اللغويات وكذلك في اسهامات السويسري فرديناند دي سوسير وجاكوبسون اللذين مهدا للبنيوية من خلال البحث في العلاقة بين اللغة والثقافة والتي قد تم التعبير عنها بمصطلح الإثنولغوية، والتي اختصت بالوصف والتحليل الشكلي والظاهري للغات.
4) الأنثروبولوجيا التربوية: يعتبر إيميل دوركايم مؤسس الأنثروبولوجيا التربوية التي تأسست عمليا بين الفترة (1922- 1925)، حيث قام بعدة بحوث في النظم التربوية موضحا مدة تكيف المجتمعات في هذه الأنظمة حيث أقام علاقة ترابطية بين التكيف والأنظمة التربوية بإشكالية تقسيم العمل إلى عمل ميكانيكي وعمل عضوي، كما درس العلاقة بين التعليم ومتطلبات المجتمع ودور المؤسسة التربوية في تقسيم الأفراد حسب قدراتهم داخل الفصل الدراسي.
5) الأنثروبولوجيا السيكولوجية: تبحث في تأثير العوامل السيكولوجية للعمليات الثقافية وتأثير الممارسات الثقافية في العمليات السيكولوجية مثل: الإدراك والانفعال والاتجاهات الشخصية. وكما اهتم الأنثروبولوجي بموضوعي الثقافة والشخصية والعلاقة بينهما وهو الاهتمام النابع من نظرية التحليل النفسي لفرويد.



أدت التحولات التي تعرفها المجتمعات الإنسانية جراء الاندماج المتزايد للتكنولوجيا الاتصالية وتقنيات الذكاء الاصطناعي بالحياة الاجتماعية للإنسان إلى تحولات كبيرة في طبيعة الممارسات والتفاعلات عبر الفضاء الرقمي، وهو ما يستدعي ضرورة البحث في الظواهر المستجدة من خلال عدد من الأدوات والأساليب البحثية بشقيها الكمي والكيفي وتحديثها بما يتوافق مع خصائص البيئة الرقمية ومن ببين هذه الأساليب البحثية يظهر المنهج الانثوغرافي الافتراضي.
بناء على ما سبق؛ حدد ما يلي:
- خصوصية البحث الاثنوغرافي في البيئة الرقمية
_ المشكلات المنهجية التي يثيرها البحث الاثنوغرافي الافتراضي.
- الخطوات المنهجية التي يتبعها البحث الاثنوغرافي في البيئة الرقمية.
المحاضرة الثانية

المحاضرة رقم (2): ملامح التطور التاريخي للفكر الأنثروبولوجي.
الأهداف التدريسية:
ü تمكين الطالب من فهم السيرورة التاريخية لتطور الفكر الأنثروبولوجي.
ü رصد تشابك التطور التاريخي للمجتمعات مع بداية التأسيس النظري للأنثروبولوجيا
ü فهم تأثير الحركات المختلفة مثل الكولونيالية على تطور مفهوم الأنثروبولوجيا
البدايات الأولى: البحث عن الأنثروبولوجيا.
أثارت المناقشات الفكرية حول الأنثروبولوجيا كعلم بسبب طبيعتها التي تجمع تخصصات مختلفة بين العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية، إلى جانب الخلاف حول تحديد التاريخ الفعلي لنشأتها فالبعض يرجعها إلى عصر التنوير الأوروبي بداية من القرن الثامن عشر، وبعض الكتابات ترجح نشأتها إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى، وهناك من يرجعها إلى حقبة تاريخية بعيدة حيث اهتمت بعض الكتابات الإغريقية بالإنسان وثقافته إلا أن إجماع العلماء على أن التطور الفعلي للأنثروبولوجيا قد حدث على يد رواد الأنثروبولوجيا الاجتماعية Social Anthropology بالمدرسة البريطانية بزعامة مالينوفسكي والعالم راد كليف براون، ومن رواد المدرسة الأمريكية العالم فرانز بواس، المدرسة الفرنسية مارسيل موس وكلود ليفي ستروس الذي يعد رائد للأنثروبولوجيا الحديثة[1].
ترجع نشأة الأنثروبولوجيا الي العصر الإغريقي، حيث يعتبر المؤرخ اليوناني هيرودوتس Herodotus أول من قام بجمع معلومات وصفية عن عدد كبير من الشعوب غير الأوروبية حيث تناول تقاليديهم وعاداتهم وملامحهم الجسمية وأصولهم السلالية، واستنادا لإسهاماته يعتقد الكثيرون من علماء الأنثروبولوجيا أن منهج هيرودوتس في وصف ثقافات الشعوب وحياتهم وبعض نظمهم الاجتماعية ينطوي على أساسيات المنهج الأثنولوجي. كما تناول أفلاطون دراسة السلالات البشرية وتقسيم المجتمع إلى طبقات (الفلاسفة-الجند -العبيد) كما تحدث عما يجب أن يكون عليه مجتمع أثينا في كتابه "الجمهورية"[2].
وضع أرسطو مجموعة من الملاحظات الناتجة عن تأملاته الفكرية حول التركيبات البيولوجية وتطورها، كما ينسب إليه أيضا توجيه الفكر نحو وصف نشأة الحكومات وتحليل أشكالها وأفضلها، الأمر الذي يعتبر مساهمة مبدئية وهامة في دراسة النظم الاجتماعية والإنسانية[3].
عند الرومان:
امتد عصر الإمبراطورية الرومانية حوالي ستة قرون وتابع خلالها الرومان ما طرحه اليونانيون من مسائل وأفكار لكنهم وجهوا دراستهم نحو الواقع الملموس، ومع ذلك لا يجد الأنثروبولوجيون في الفكر الروماني ما يمكن اعتباره كإسهامات أصلية في نشأة هذا العلم ماعدا في أشعار كارلوس لوكرتيوس Lecretuis التي احتوت على بعض الأفكار الاجتماعية كالتطور والتقدم[4].
أما في الصين:
أشار الكثير من الأنثروبولوجيين أن الصينيين لا يعبؤون بثقافات خارج حدودهم لنظرتهم العنصرية في اعتقادهم أنهم أفضل الخلق حيث قاموا ببناء سورهم العظيم كي لا تدنس أرضهم بأقدام غيرهم، وكما اهتم فلاسفتهم بالأخلاق وشؤون المجتمعات البشرية من خلال الاتجاهات الواقعية/ العملية في دراسة أمور الحياة الإنسانية ومعالجتها، لأن معرفة الأنماط السلوكية التي ترتبط بالبناء الاجتماعي في أي مجتمع تسهم في تقديم الدليل الواضح على التراث الثقافي لهذا المجتمع، وتسهم في تقديم الدليل الواضح على التراث الثقافي لهذا المجتمع، ويكشف بالتالي طرائق التعامل فيما بينهم من جهة ويحدد أفضل الطرائق للتعامل معهم من جهة أخرى، وهذا يفيد الباحثين في العلوم الأخرى ولا سيما تلك التي تعنى بالإنسان[5].
في العصور الوسطى:
يجمع المؤرخون أن هذه الفترة تمتد من القرن الرابع ميلادي إل القرن 14، وقد اصطلح على تسميتها بالعصور الوسطى كونها ارتبطت بتدهور الحضارة الأوروبية وارتداد الفكر إلى حقبة مظلمة من جهة ومن جهة ثانية بين عهدين هما: عهد ازدهار الفلسفات الأوروبية القديمة (اليونانية/الرومانية) وبداية عصر النهضة الأوروبية (التنوير) والانطلاق في مجالات جديدة من استكشاف العوالم الأخرى، وإحياء التراث الفكري القديم وإبداعات الفنون والآداب المختلفة، في الوقت الذي كانت فيه الحضارة الإسلامية تزدهر وتتسع لتشمل مجالات العلوم المختلفة[6].
يمكن إجمالا ذكر أبرز السمات الفكرية لهذه المرحلة[7]:
- تدهور التفكير العقلاني وإدانة أي فكرة تخالف التعاليم المسيحية
- اعتماد مختلف تفسيرات الكنيسة وما تقدمه من أفكار للكون والحياة الإنسانية سواء في منشئها أو في مآلها، بالإضافة إلى بلاط الملوك الذي يضم فئات من المثقفين كرجال الإدارة والسياسة والشعراء.
- التوسع في دراسة القانون (جامعة بولونيا) ودراسة الفلسفة واللاهوت (جامعة باريس) مما كانت له أثار واضحة في الحياة الأوروبية العامة (السياسية والاجتماعية والثقافية والدينية) ومهد بالتالي للنهضة التي شهدتها أوروبا بعد هذه العصور.
- ظهرت في هذه المرحلة بعض الكتابات التي تحاول وصف بعض الشعوب غير أنها اتسمت بالطابع التخيلي مثل ما قام به الأسقف إسيدورIsidore الذي أعد موسوعة المعرفة أشار فيها إلى بعض تقاليد الشعوب المجاورة وعاداتهم، ولكن بطريقة وصفية وسطحية ومتحيزة وكان ذلك في القرن 7، وقد ظلت هذه الموسوعة سائدة إلى غاية القرن 13، حيث قام الفرنسي باتولو ماكوس Batholo Macus بإعداد موسوعة أخرى حظيت بشعبية كبيرة في أوروبا.
- اعتمدت معظم التفسيرات في هذه الفترة على التحيز العنصري والديني وسادت نظرية الارتداد أو الانتكاس الحضاري Cultural Degradation.
الحضارة الإسلامية
امتدت الحضارة الإسلامية على نطاق واسع بعد الفتوحات الإسلامية التي شملت أقاليم من اسبانيا إلى الهند، تضمنت الآداب والفلسفة والأخلاق والمنطق ....وغيرها، وقد أسهم وضع المعاجم الجغرافية والموسوعات العلمية في تنظيم الحكم الإسلامي خلال القرن الرابع عشر ميلادي وشكلت هذه الموسوعات مادة خصبة للفكر الأنثروبولوجي في دراسة الشعوب والثقافات الإنسانية بالاعتماد على المشاهدة والخبرة الشخصية، ومن بين العلماء البارزين في هذه الفترة: البيروني الذي وضع كتابا حول الهند، الرحالة ابن بطوطة الذي اتسمت كتاباته بالطابع الأنثروبولوجي من خلال وصف حياة الناس اليومية وأنماط شخصياتهم وسلوكياتهم وقيمهم وعاداتهم، وكذلك ابن خلدون الذي زود الفكر الإنساني بمقدمته التي تعتبر من أهم مصادر النظريات الاجتماعية وأساسها العلمي وقد سبقت أفكاره دوركايم حول التماسك الاجتماعي، ويؤكد ابن خلدون أهمية القرابة والدين في خلق شعور التلاحم والالتزام المتبادل بين جماعة ما، ويتحدث ابن خلدون عن نشأة المجتمع الإنساني وتطوره ولا يستمر هذا المجتمع إلا بوجود سلطة قائمة على القهر بما تفرضه من قوانين ونظم وسلوك عام تخضع لها الجماعة. ويستند السلطان إلى العصبية التي هي بمثابة مفهوم مركزي في التحليل الخلدونية لنشأة المجتمعات وتطورها واندثارها[8].
في عصر النهضة الأوروبية:
شرع الأوروبيون بداية من القرن الرابع عشر ميلادي، بدراسة انتقائية للعلوم والمعارف الإغريقية والعربية، مترافقة بحركة ريادية نشطة للاستكشافات الجغرافية وتبع ذلك الانتقال من المنهج الفلسفي إلى المنهج العلمي التجريبي، في دراسة الظواهر الطبيعية والاجتماعية والذي تبلور وتكامل في القرن السابع عشر، أسهمت هذه التغيرات في بلورة الأنثروبولوجيا في نهاية القرن التاسع عشر، كعلم يدرس وتطور الحضارة البشرية في إطارها العام وعبر التاريخ الإنساني، الأمر الذي يستلزم توافر الموضوعات الوصفية عن ثقافات الشعوب وحضاراتها في أوروبا وخارجها، من أجل المقارنات والتعرف إلى أساليب حياة هذه الشعوب وترتيبها بحسب مراحل تطورية معينة، وهو ما يضع أساسا لنشأة علم الأنثروبولوجيا. من أبرز الرحالات الاستكشافية التي أثرت في علم الأنثروبولوجيا ما قام به كرستوفر كولومبس في القارة الأمريكية، حيث زخرت مذكراته عن مشاهداته واحتكاكاته بسكان العالم الجديد، بالكثير من المعلومات والمعارف عن أساليب حياة تلك الشعوب وعاداته وتقاليدها، اتسمت بالموضوعية نتيجة المشاهدة المباشرة[9].
لقد كان لرحلات كولومبس واكتشافه العالم الجديد عام 1492، أثره الكبير على أوروبا وإدخالها حقبة جديدة، وفي تغيير النظرة إلى الإنسان عامة والإنسان الأوروبي خاصة، مما أثر بالتالي في الفكر الأنثروبولوجي، ذلك لأن هذه الاكتشافات الجغرافية/الاجتماعية وما تبعها من معرفة سكان هذه الأرض بميزاتهم وأنماط حياتهم أظهرت بوضوح تنوع الجنس البشري، وأثارت كثيرا من المسائل والدراسات حول قضايا النشوء والتطور عند الكائنات البشرية. وتعد ملاحظات الرحالة الإسباني جوزيه أكوستا في القرن السادس عشر حول السكان الأصليين في العالم الجديد، المحاولة الأولى لتدوين المادة الاثنوجرافية والتنظير بشأنها.
ومن مميزات هذه الفترة مناهضة العلماء لفلاسفة العصور الوسطى اللاهوتية، التي أعاقت فضول العقل الإنساني إلى معرفة أصول الأشياء ومصادرها وتكوين الطبيعة وقوانينها وصفات الإنسان الجسدية والعقلية والأخلاقية. وظهر نتيجة لذلك اتجاه لدراسة الإنسان عرف بالمذهب الإنساني (العلمي) اقتضى دراسة الماضي من أجل فهم الحاضر، حيث اتجهت دراسة الطبيعة الإنسانية وفهم ماهيتها وأبعادها وفق المراحل التاريخية/ التطورية للإنسان.
تبلور في هذه الفترة الاتجاه العلمي في الدراسات التجريبية والرياضية التي ظهرت في أعمال بعض علماء القرن السابع عشر من أمثال فرانسيس بيكون ورينيه ديكارت R. Decartes واسحاق نيوتن Newton وغيرهم، وأصبحت النظرة للإنسان على أنه ظاهرة طبيعية يمكن دراسته باستخدام البحث العلمي والمنهج التجريبي ومعرفة القوانين التي تحكم مسيرة التطور الإنساني والتقدم الاجتماعي، وهذا ما أسهم في تشكيل المنطلقات النظرية للفكر الاجتماعي وأدى إلى بلورة البدايات النظرية للأنثروبولوجية خلال عصر التنوير[10].
ويأتي القرن الثامن عشر ليحمل معه كتابات جان جاك روسو J.J.Rossow التي احتلت أهمية كبيرة لدى مؤرخي علم الأنثروبولوجيا بالنظر لما تضمنته في دراستها الاثنوجرافية للشعوب المكتشفة (المجتمعات البدائية) مقارنة مع المجتمعات الغربية/الأوروبية، لقد تميزت وجهة النظر الأنثروبولوجية عند روسو بالتجرد والموضوعية حيث تجلى ذلك في نقد بعض القيم والجوانب الثقافية في المجتمع الفرنسي، ويعتبر كتاب "العقد الاجتماعي" من البواكير الأولى للفكر الأنثروبولوجي، وإلى جانب روسو قدم دي منتسكييه كتابه "روح القوانين" الذي أوضح فكرة الترابط الوظيفي بين القوانين والعادات والتقاليد والبيئة، وانتقل اهتمام مونتسكييه بدراسة النظم السياسية وتأثير المناخ على نوعية الحضارة أو الثقافة إلى الكتابات الأنثروبولوجية وشكل مجالا واسعا للدراسات الأنثروبولوجية[11].
في ألمانيا تبلور فكر التفوق العنصري والنزعة القومية الشوفينية* (التعصبية) وظهر ذلك في كتابات كل من جورج هيجل وجوهان فتخة حيث جعلا الشعب الألماني الشعب الأمثل والأنقى بين شعوب العالم. أما كتابات جوهان هيردر فجاءت لتعزز فكرة التمايز بين السلالات البشرية من ناحية التركيب الجسمي والتفاوت فيما بينها بمدى التأثر بمظاهر المدنية وتمثلها لمقومات الحضارة وعلى هذا الأساس صنف هيردر السلالات البشرية إلى سلالة راقية وأخرى منحطة[12].
وفي ضوء هذه التجاذبات الفكرية والعلمية حاول دوركايم في سياق تأسيسه لعلم الاجتماع على أسس علمية أن يحرر المعطيات الأنثروبولوجيا للمجتمعات البدائية من النزعة البيولوجية النشوئية التطورية المتطرفة مؤكدا على فكرة السببية للظواهر الاجتماعية والتمسك بعملية التزامن بدلا من التعاقب الزمني، الذي يعتبر مبدأ للتاريخ وليس لعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا، ووفقا لهذا المبدأ المنهجي عرض دوركايم القوانين الاجتماعية من خلال دراسته لظاهرة[13].
شكل القرن العشرين منعطفا حساما بسبب ثورات تداخلت أثارها وانعكست على الفكر الاجتماعي والأنثروبولوجي وهي الثورة الفرنسية (1799-1789) والثورة الصناعية التي بدأت أواخر القرن الثامن عشر والثورة العلمية الثقافية التي شهدت طفرات كبيرة في مجالات وأماكن متعددة بأوروبا، فبينما ركزت الثورة الفرنسية على أهمية الإنسان وحريته وكرامته كما حملت معه فكرة التقدم وقد تمخض عن الثورة الصناعية الانتقال إلى عصر الآلة واستغلال الطاقة والموارد والاتجاه نحو التصنيع، نتج عن هذا اتساع القاعدة الاقتصادية وازدهار التبادل التجاري وظهور الرأسمالية الحديثة وهو الأمر الذي دفع حركة الاستعمار خطوات كبيرة خاصة خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر[14]، ولقد رافقت هذه الحركة الاستعمارية تصورات علمية لاكتشاف الأخر، وهو ما قدم دفعة علمية لتطور الدراسات الأنثروبولوجية التي تحاول اكتشاف الأخر (الغير أوروبي) وتصنيفه وتوصيفه.
شهد القرن العشرين مراحل تكوين الأنثروبولوجيا وتطويرها لتصبح كيانا أكاديميا ومهنة متخصصة عند الكثير من العلماء والفلاسفة والباحثين، فعلى الرغم من أن الفكر الأنثروبولوجي قد ظل خلال العقدين الأوليين من القرن العشرين متأثرا إلى حدّ بعيد بالنظريات التي سادت وتبلورت في السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر فإن سرعان ما تغير وتحول إلى منطلقات جديدة، نتج عنها اتجاهات متعددة إزاء دراسة الإنسان وحضارته سواء كان منها نظريا أو منهجيا[15].
دفع هذا الاتجاه العلمي إلى نبذ الفكر الفلسفي الذي كان يتحفظ على قدرة العقل الإنساني في التوصل إلى الحقيقة المطلقة وهذا ما نتج عنه قيم فكرية جديدة تدعو إلى النظر إلى العقل والمنطق المحسوس والواقع الملموس كأدوات للمعرفة، وبعد أحداث الحرب العالمية الأولى ونتائجها السلبية على المجتمع الإنساني والتي شكلت نظرة تشاؤمية خاصة بعد ظهور النازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا وبلغ هذا الاتجاه ذروته فيما عرف بالحركة الوجودية التي شاعت في فرنسا وعلى رأسها جان بول سارتر، وفي الجانب الأخر ظهر اتجاه تفاؤلي كان من أبرز رواده الفيلسوف جون ديوي والذي تبني موفقا صريحا مناهضا للفلسفة الميتافيزيقية
الهوتمش
* الشوفينيّة هي الاعتقاد المغالي في الوطنيّة، وتعبّر عن غياب رزانة العقل والاستحكام في التحزّب لمجموعة ينتمي إليها الشخص والتفاني في التحيّز لها، وخاصّة عندما يقترن الاعتقاد أو التحزّب بالحطّ من شأن جماعات نظيرة والتحامل عليها، وتفيد أيضاً معنى التعصّب الأعمى. أمّا الكلمة الانجليزيّة (Chauvinism) في مدلولها الأصليّ فهي تحمل معنى الوطنيّة المفرطة الغيورة والعدائيّة، والإعجاب الحصريّ لدى الشخص بوطنه والحميّة العمياء للمجد العسكريّ، والاعتقاد المتحمّس بأنّ وطنه هو أفضل الأوطان وأمّته فوق كلّ الأمم. وينسب لفظ الشوفينيّة إلى جنديّ فرنسيّ اسمه (نيقولا شوفان) كان شديد الغيرة على فرنسا، ومتفانياً في القتال في جيش الجمهوريّة مع نابليون في حروبه، دونما التفات أو شكّ بحصافته، أو مساءلة لجدارة قضيته، ينظر: الشوفينية - المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية (iicss.iq) أطلع عليه يوم: 26/02/2024 على الساعة 22:49

المحاضرة الثالثة
المحاضرة رقم (3): الحقول الكبرى في الفكر الأنثروبولوجي

الأهداف التدريسية:
ü تلقين الطالب التصورات النظرية التي أحدث تأثيرا على ميلاد وتطور الأنثروبولوجيا.
ü فهم انعكاسات تطور العلوم المختلفة على ميلاد الأنثروبولوجيا.
تمهيد:
يرصد هذا الدرس التجاذبات البينية التي أقيمت وأسست حولها مباحث الأنثروبولوجيا، والتي استقت تصوراتها العلمية وركائزها النظرية من السرديات العلمية الكبرى التي التفت حولها المعارف والعلوم الاجتماعية والإنسانية والسياسية وغيرها، واللافت للنظر أن هذه المدارس الكبرى قد شغلت مساحة كبيرة من النقاش العلمي لتباين أفكارها واختلاف مرتكزاتها العلمية وهو ما انعكس على مختلف البناءات النظرية التي انبثقت من هذه التيارات وكانت لها بصمتها العلمية في التحولات الابستيمية التي رافقت تطور العلم.
1) النظرية التطورية:
ويتزعمها ثلاثة أقطاب: تيلور إدوارد برنت*Tylor Edward Burnett، مورغان هنري لويس*Morgan Henry-LEWIS، فريزر جيمس*James George Frazer، ولقد ارتبطت هذه النظرية بالعالم البيولوجي شارل داروين والفرنسي "لامارك" خلال القرن التاسع عشر، وامتد أثرها إلى العلوم الإنسانية والاجتماعية كالفلسفة والإثنولوجيا[1].
ترتكز النظرية التطورية على اعتبار المجتمع بمثابة الجسم الحي، ويتعرض لتطور كما يتطور الجسم الحي كذلك، وتضيف النظرية أن الصفات المعنوية مثل العادات والتقاليد والثقافة والأعراف تورث كما تورث الصفات البيولوجية وهو ما يساعد في تحسين تقنيات تنظيم المجتمعات من خلال مؤسساتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية[2].
ويعتبر لويس مورغان Morgan أول من قسم المجتمع إلى ثلاث مراحل أساسية هي:
1. مرحلة التوحش
2. مرحلة البربرية
3. مرحلة الحضارة
وإجمالا يمكن القول؛ أن النظرية التطورية ترى أن المجتمع البشري هو عبارة عن مجموعة من الأنظمة التي تتغير وتمر بمراحل تطورية معينة، تعبر كل مرحلة منها عن انتقال من حالة أقل رقيا إلى حالة أكثر رقيا، أي من البساطة إلى التعقيد، مثلما هو الحال مع تطور الأجزاء العضوية في الكائن البيولوجي[3].
2) النظرية الوظيفية:
برزت محاولات الدراسة العلمية للمجتمع منذ نشأة الفكر الإغريقي خاصة مع أفكار أفلاطون وأرسطو، ثم مع مفكري النهضة العربية من أمثال الفارابي وابن خلدون، وبعدها مع مفكري النهضة الأوروبية مثل مكيافلي ومونتسكيو، بالرغم من أن هذه الدراسات حاولت فهم الظاهرة المجتمعية من خلال تفكيك منظومات المجتمع وتفسير ترابطه، اعتمادا على أسس علمية ومنهجية، إلاّ أنها ظلت حبيسة تبصرات فكرية، تنسب إلى الحقل الفلسفي أكثر منها إلى حقل علمي منهجي نظري أو تجريبي[4].
حاولت النظرية تفسير الظواهر الاجتماعية من خلال ما يمكن أن تقدمه من أفكار حول كيفية عمل المجتمعات، ولماذا توجد المؤسسات والأعراف وبالنظر إلى المجتمع باعتباره نسق في حالة توازن، وهذا لنسق هو بناء منظم وثابت مكون من عدد من الأجزاء المترابطة، ولكل جزء أو نظام من هذه الأجزاء وظيفة يؤديها للحفاظ على بقاء النسق وتوزانه[5].
تعددت التعريفات التي حاولت الإلمام بالوظيفية بالنظر لتعدد التيارات الفكرية لروادها، حيث يرى مالينوفسكي أن الوظيفة هي نظرية ماهية الطبيعة البشرية، وكيفية عمل المؤسسات الإنسانية، وما تفعله الثقافة من أجل الإنسان في جميع مراحل التطور، بينما يعرفها هالوويل Hallowell بقوله: "إن جوهر الوظيفية هو النظر إلى أية ظاهرة أولاً على أساس ارتباطاتها ذات الأهمية داخل سياق معين أو كل بنائي"[6].
ازدهرت الوظيفية في الإثنولوجيا والأنثروبولوجيا الاجتماعية في فرنسا وإنجلترا بصفة خاصة، وبدرجة أقل في ألمانيا، وفضل ممثلو المدرسة الفرنسية وعلى رأسهم موس Mauss وليفي شتراوس – استخدام مصطلح وظيفة على نحو مشابه لاستخدامه في الرياضيات، وقد شرح موس مفهوم الوظيفة عندما صاغ نظريته عن "الظواهر الاجتماعية الكلية" حيث يقول إن كل شيء في المجتمع هو بالدرجة الأولى وظيفة، ويؤدي وظيفة؛ وكذلك عندما أكد أنه ليست هناك اجتماعية لا تكون جزءًا لا يتجزأ من الكل الاجتماعي، أما في ألمانيا فتتميز إلى حدّ كبير بالمزج بين الوظيفية والتاريخية، ومن أبرز روادها تورنفالد Thurnwald حيث سبقت أبحاثه الميدانية الوظيفية أبحاث كل من مالينوفسكي وراد كليف براون[7].
يمكن فهم النظرية الوظيفية من خلال فهم اتجاهين أساسين فيها، فنظرية "مالينوفيسكيMalinowski" ركزت على تكيف المجتمع مع محيطه، أي أن الظواهر الاجتماعية الجزئية تؤدي وظائف جزئية معينة في إطار نسق من الظواهر لتؤسس أو تبني وظيفة كلية، وهي تكيف المجتمع مع محيطه، فالمؤسسات الاجتماعية كالمدرسة أو الجامعة تؤدي وظيفة جزئية هي التربية والتعليم، وهذه الوظيفة تتكامل مع وظائف أخرى لتحقيق الوظيفة الكلية وهي تكيف المجتمع مع المحيط، ولقد اعتبر مالينوفسكي من أكبر مؤسسي الأنثروبولوجيا العلمية وذلك من خلال الثورة التي قام بها في مجال البحث الميداني والتطبيقي، حيث استعمل في أبحاثه الميدانية نظام السؤال Le Questionnaire لتكون نتائجه أكثر علمية[8].
وحاول راد كليف براون Radcliffe-Brown أن يطور الأنثروبولوجيا الاجتماعية إلى علم طبيعي يقوم على الدراسة العلمية المقارنة للأنساق الاجتماعية عند الشعوب البدائية، ودراسة البني الاجتماعية وأنساق القرابة، كما قام براون بدراسة المجتمع بمعناه البنيوي الذي يشير إلى الترابط الداخلي الذي يربط بين البنية الاجتماعية وبين صيرورة الحياة الاجتماعية، واستخدم في ذلك مصطلحات خاصة مثل صيرورة Process، وبنية Structure، ووظيفة Function في تفسيره للأنساق الاجتماعية، تقوم فكرة الوظيفة عند براون على أساس أن البنية تؤلف مجموعة من العلاقات التي تربط بين تلك الوحدات البنيوية بدرجات متفاوتة، فالأسرة عند براون هي بمثابة وحدة بنيوية والعلاقات الأسرية القائمة بين أفرادها هي علاقات بنيوية، ما يميز تفسيرات براون وتحليلاته الوظيفية هو تركيزه على البنية الاجتماعية ووظيفتها وهو ما أدى إلى انبثاق اتجاه جديد في الأنثروبولوجيا صار يعرف بالاتجاه البنيوي الوظيفي[9].
3) النظرية الانتشارية.
يعود أصل تسمية النظرية الانتشارية إلى طبيعة موضوعها ومقاصدها المعرفية والمنهجية والإيديولوجية، فهو اتجاه أنثروبولوجي يعنى بمتابعة النماذج والظواهر الثقافية والاجتماعية التي ظهرت في منطقة جغرافية وثقافية واجتماعية ومن إبداع شعب بعينه ثم انتشرت وشاعت متعدية حدود فضاء نشأتها الأصلي وذلك نتيجة لتفاعل عدد من الأسباب الثقافية والسياسية والاقتصادية والدينية والاجتماعية[10]، يعتبر فرانس بواس Franz Boas وإليوت سميث Eliot Chmidt من أهم ممثلي هذا الاتجاه، ويلخص هودجن Hodgen النظرية في ثلاث قضايا عامة هي[11]:
ü أولا: الاتجاه الطبيعي في انتشار الثقافة.
ü ثانيا: يعد هذا المركز نقطة إنتاجية ثقافية متفرقة ويصبح مسرحا لظهور أشكال أكثر حداثة وتحل هذه الأشكال محل الأشكال القديمة بشكل طبيعي.
ü ثالثا: تفسر العناصر الحزام الهامشي لمنطقة انتشار جغرافي معينة – بواسطة مؤرخ الثقافات البدائية التي لا تاريخ لها – على أنها قديمة نسبيًا. في حين تعد العناصر الموجودة في المركز أو قريبة منه حديثة نسبيًا.
4) النظرية البنيوية Structuralism:
يمكن تعريف البنيوية ذات الاشتقاق اللاتيني Structura التي تعني "البنية" كنظرية في الانسانيات او الدراسات الثقافية، ويمكن وصفها بشكل أكثر دقة كمقاربة في فروع المعرفة بصورة عامة، تستكشف العلاقات بين العناصر الجوهرية أو الرئيسية في اللغة والأدب والحقول الاخرى التي تنسحب عليها "البنى" و"الشبكات" العقلية واللغوية والاجتماعية والثقافية العالية، ويقدم المعنى من خلال هذه الشبكات عن طريق شخص معين أو نظام معين او ثقافة معينة[12]. وتعبر البنية عن مجموعة من العناصر المنسجمة والمتجانسة فيما بينها، وإذا حدث تغيير في أحد عناصرها كان الخلل في مجموع البنية، ولقد ارتبط الاتجاه البنيوي باسم العالم الأنثروبولوجي كلود لفي ستروس* بعدد من أعماله التي انصبت أغلبها ضمن الاتجاه[13].
حلت البنيوية محل الوجودية التي كانت سائدة في الساحة الفكرية بأطروحاتها خلال خمسينيات وستينات القرن الماضي[14]، غير أنها سرعان ما تراجعت، ثم عاودت الظهور في النصف الثاني من القرن العشرين حيث بدأت مجددا كحقل اهتمام أكاديمي في حدود 1958م، وبلغت ذروتها في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وتطورت لتصبح المقاربة الأكثر شيوعا في الحقول الأكاديمية المعنية بتحليل اللغة والثقافة والمجتمع، ويرجع الفضل لسوسير في اعادة ظهور البنيوية ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال حلقة دراسية في "علم اللغة العام" أقامها زملاؤه بعد وفاته، اعتمدت على ملاحظاته والتي سميت بنظرية بـ"علم العلامات"[15].
لفهم البنيوية يمكن العودة إلى جملة من الأسباب التاريخية التالية[16]:
1. لقد كانت الفلسفة الوجودية مع جان بول سارتر السائدة في أنحاء أوربا من خلال بحثها عن كيفية تحرير الإنسان وتحرره من مختلف العوائق والعراقيل الاجتماعية والنفسية، وخاصة بعد نهاية الحرب العالمية الأولى التي سببت دمارًا شاملا للإنسانية، والتي كانت محل القلق البشري، ولهذا وجدت الوجودية المناخ المناسب قصد الازدهار والنمو، وأصبحت بذلك بمثابة الخطاب الذي يسعى إلى تحرير الإنسان من عبوديته وتحريره من القلق الذي ولد من جوف تلك المآسي البشرية، ولكن على الرغم من كل هذا، ووصول الإنسان الأوربي إلى نوع من الاستقلالية والتحرر، بدأت معالم هذه الفلسفة (أي الوجودية) في التلاشي، مما فتح المجال أمام المدرسة البنيوية التي كانت تسعى إلى محاولة الرقي بالنوع الإنساني، والسعي من أجل إسعاده والتخلي عن كل أسباب شقائه.
2. كان ظهور المنهج البنيوي أيضا مرتبط بمدى الوعي الإنساني آنذاك، وثورته على مختلف المذاهب الفكرية التي تدعو إلى الجمود والركود، ومن ثمة الشعور بعقم تلك المذاهب الفلسفية أو الفكرية التي كانت بمثابة عائق أمام ازدهاره مما اضطره إلى البحث عن سبل جديدة قصد تحقيق الرقي بالنوع الإنساني، ولذلك ظهر المنهج البنيوي كأساس جديد يسعى إلى تحقيق طموح وآمال الإنسان الأوربي.
3. يسعى المنهج البنيوي بكل روافده إلى تحقيق تطور ورقي العلوم الإنسانية، ومحاولة محاكاتها لبقية العلوم الطبيعية الأخرى، وذلك من منطلق أن المناهج السابقة على المنهج البنيوي كانت تتحاشى العلاقات الإنسانية فيما بينها، واهتمامها فقط بالمجردات والتعالي، واهمالها للعلاقات التي تربط بين البشر، ومن ثمة ظهرت البنيوية كمنهج لمحاولة النهوض بالعلوم الإنسانية ومحالة مواكبتها لمختلف العلوم الطبيعية الأخرى، ويظهر لنا ذلك بجلاء في قول جان لاكروا:" البنيوية هو ذلك المنهج الذي ساعد العلوم الإنسانية في هذا العصر على إحراز تقدم عظيم"
4. المنهج البنيوي لا يرتبط بمجال معين فقط، بل يمكن تطبيقها في شتى مجالات المعرفة الإنسانية، وعلى هذا الأساس ظهرت مجالات مختلفة لهذا المنهج؛ في مجال اللغويات نجد فردينان دي سوسير ونجد " ليونارد بلومفيلد" الذي ألف كتاب "اللغة"، وفي مجال الأنثروبولوجيا نجد الفيلسوف الفرنسي "كلود ليفي شتراوس" الذي ألف مجموعة كتب في هذا المجال نذكر منها: "المجتمعات البدائية"، "النيء والمطبوخ"، وكتاب "العقل البدائي"، "الأسطوريات".
يرى ليفي شتراوس أن مهمة العالم الأنثروبولوجي تنحصر في بناء النموذج الملائم لموضوعه، وهو نموذج يمثل ضربا من التأويل البشري للعلاقة الموجودة بين الطبيعة والثقافة، وكل ما يقدمه ليفي شتراوس في كتاباته عن البنيات الأولية للقرابة وسلسلة كتبه المسماة "أسطوريات"[17]. ثمة مفهوم آخر تمت استعارته من مدرسة براغ لعلم اللغة حيث قام رومان جاكبسون بتحليل الاصوات تحليلا يقوم على حضور وغياب مظاهر معينة (مثل الاصوات المهموسة في مقابل الاصوات المجهورة)، وقد ضمّن شتراوس ذلك في مفاهيمية البنى الكلية أو العامة للعقل[18] .
تم إهمال الانثروبولوجيا البنيوية في أوائل ثمانينيات القرن الماضي لعدد من الأسباب منها أنها وضعت افتراضات لا يمكن اثباتها عن البنى الكلية للعقل البشري، كما يرى بعض المؤلفين من أمثال ايريك وولف أن الاقتصاد السياسي والكولونيالية يجب أن يكونا في طليعة الانثروبولوجيا بشكل أكبر، ولا يبتعد بعض المنظرين الأنثروبولوجيين ممن ينتقدون رؤية ليفي شتراوس للبنيوية، عن الأساس البنيوي الجوهري للثقافة الإنسانية، فالنشوئية الاحيائية تفترض ان نوعا من المؤسسات البنيوية ينبغي وجوده لأن كل البشر يرثون نظام البنى العقلية نفسه، وقد اقترحوا صنفا خاصا من الأنثروبولوجيا التي تملك تفسيرا علميا أكثر تكاملا ً للتماثل والاختلاف الثقافي، كما سعت ما بعد البنيوية Post Structuralism إلى أن تصبح أكثر تميزا من البنيوية، وأما التفكيكية Deconstruction فقد سارت في اتجاه مخالف للفكر البنيوي[19]
* ادوارد برنت تايلور (1832-1917) أنثروبولوجي بريطاني أصبح أستاذاً للأنثروبولوجيا في جامعة أكسفورد منذ عام 1896 وظل بها حتى تقاعده في عام 1913. أسهم إسهاماً كبيراً في دراسة الثقافة وكان أحد رواد الاتجاه التطوري، وقال بالنظرية البيولوجية، وأسهم في تطوير الدراسات المقارنة للأديان.
* لويس هنري مورغان (1818-1881) محام وأنثروبولوجي أمريكي ومن رواد المدرسة التطورية اهتم في بداية حياته بدراسة هنود الايروكيز وغيرهم من سكان الشمال الشرقي الأمريكي الأصليين. حاول مورغان إعادة تركيب صورة المجتمعات الإنسانية وتصنيفها بغية التعرف على تاريخ المجتمع الأوروبي والمراحل التي مرَّ بها وصولاً إلى ما هو عليه في عصره. وقد تأثر مورغان بكتاب باخوفن “حق الأم” وبأبحاث لافيتو
* فريزر جيمس (1854-1941) مفكّر الأسكتلندي وعالم الانثروبولوجي، ولد لأبوين متديّنين من أنصار المذهب الكالفني. وهو إلى الاهتمام بالكتاب المقدّس ودراسته. لهذا انصرف إلى دراسة اللغة الآراميّة وكتب عن "الفولكلور في العهد القديم" كتابا في ثلاثة أجزاء جعلها دراسة مقارنة في الدين والخرافة والقانون. وكان فريزر يعتبر الكتاب المقدّس شكلا من أشكال الأدب الراقي الذي ينشد التسامي بالجنس البشري، ولم يتعامل معه بحرفيّته إنّما احترز من الأحداث التي وردت فيه ولم ينظر إليها على أنّها سجلّ تاريخي علمي. درس بجامعة جلاسكو ثم التحق بجامعة كمبريدج كان لأستاذه روبرتسون سميث (Robertson Smith) بكمبريدج أثر فعّال في توجيهه نحو الاهتمام بالانثروبولوجيا. ;يعتبر فريزر امتدادا لتفكير تايلور (Taylor) ومورجان (Morgan)، في الإيمان بوحدة المعرفة الإنسانيّة وتطوّرها وفق مراحل ثابتة وواضحة. ولهذا كان فريزر يحاول فهم الحضارات القديمة انطلاقا من مقارنتها بثقافة مجتمعات القرن التاسع عشر. فـ"الشعوب البدائيّة" في نظر فريزر تمثّل المراحل الأولى والمبكّرة لنشوء الحضارة الإنسانيّة. وقد تجلّى هذا مثلا في كتابه "الغصن الذهبي" الذي عمل فيه على فهم أسطورة الإلهة ديانا (Diana) في نيمي (Nemi) جنوب إيطاليا. ويندرج هذا البحث في سياق اهتمام فريزر العام بدراسة المعتقدات والعادات والطقوس الدينيّة والسحريّة لدى الشعوب "البدائيّة". ويعدّ فريزر أوّل من قدّم جردا شاملا للأساطير والطقوس عند مختلف شعوب العالم. من مؤلفاته: الخوف من الموتى في الدين البدائي، آلهة السماء، الفولكلور في العهد القديم، الغصن الذهبي، الإنسان، الله والخلود..

من خلال ما تقدم في المحور الأول؛ اكتب مقالا علميا تشرح فيه
-كيف انعكست التصورات المعرفية لما بعد البنوية على ضبط المجالات الفكرية للأنثروبولوجيا؟
- فسر أثر الاسهامات المعرفية للنظريات العلمية على الفكر الأنثروبولوجي في البيئة العربية
المحاضرة الخامسة
المحاضرة رقم (4): أنثروبولوجيا الاتصال... مباحث نظرية

أهداف التدريسية:
ü كشف التعالقات الجارية بين مباحث الأنثروبولوجيا وعلوم الاتصال
ü تفكيك مفاصل السلوك الاتصالي كسلوك اجتماعي من السياق الاجتماعي والثقافي
ü محاولة بناء إطار مفاهيمي حول أنثروبولوجيا الاتصال
تمهيد:
عند استعراض الحمولة المفاهيمية للأنثروبولوجيا الاتصال ومحاولة فك الترابط العلمي بين حقل الاتصال وحقل الأنثروبولوجيا، وهو الترابط التاريخي الذي تزامن وتطور الأبحاث والدراسات العلمية في إطار بحث علائقية السلوك الاتصال ضمن منظومته الثقافية وسياقه الاجتماعي نحو بناء توليفة تعتمد على النظور الأنثروبولوجيا بداية من ستينيات القرن العشرين، وبالنظر إلى الإرث التاريخي الذي رافق تطور الاتصال وأسهم في تشكيل منظومته المعرفية والمنهجية يمكن النظر إلى بيان هوية الأنثروبولوجيا الاتصالية على النحو التالي:
الاتصال: خلفية نظرية
يعتبر الاتصال علما حديث النشأة نسبيا وهذا الأمر يستند إلى مراحل تاريخية تبلور من خلالها، يتحدث ولبر شرام (Wilbur Schramm) عن تطور علم الاتصال في العام 1963 بقوله: "إن الاتصال ليس اختصاصًا أكاديميًّا؛ على النمط الذي هو عليه علم الفيزياء أو الاقتصاد، لكنه اختصاص على مفترق طرق يمر العديد منه، ولكن القليل فقط يتوقف عنده"[1]. فقد أثارت سيرورات الاتصال اهتمام الكثير من العلوم المتنوعة، ابتداءً بالفلسفة والتاريخ والجغرافيا وعلم النفس والسوسيولوجيا والإثنولوجيا والاقتصاد مرورا بالعلوم السياسية وعلم الأحياء وصولا إلى السيبرنيطقيا التحكم الآلي والعلوم الإدراكية، قد شكل هذا الحضور للتخصصات الأخرى داخل الاتصال وهو يؤسس لحقله المعرفي الخاص داخل فضاء العلوم الاجتماعية[2]، وأمام هذا التدفق المتعدد للمباحث العلمية أستطاع الاتصال أن يؤسس لكينونته الإبستيمية بالاتكاء على المعارف التي تشترك معه في المباحث الفكرية، وبهذا كوّن موضوعه ونظرياته ومناهجه المتعددة.
ترك الاتجاه السيكولوجي والسيكولوجي الاجتماعي بصمة أساسية في بحوث الاتصال منذ بواكيرها الأولى، بدأت هذه البحوث بتوجهها الأميركي تشق طريقها نحو أوروبا بمصطلحاتها: الجمهور (المتلقي)، والتأثيرات والوظائف التي كانت محور الاهتمام في الدراسات الأميركية، وتركز اهتمامها في دراسة الوظائف، ويمثل كلاً من: بول لازارسفيلد Paul Lazarsfeld، وعالمي النفس كيرت لوين Kurt Lewin وكارل هوفلاند Carl Hovland، وهارولد لازويل (Harold Lasswell) الرواد في بحوث الاتصال الجماهيري.
قدم هارولد لازويل الإطار المفاهيمي لعملية الاتصال من خلال نموذج الأسئلة الخمسة، نتج عن هذا الإطار الأفنان التالية: تحليل التحكم والرقابة، وتحليل المحتوى، وتحليل وسائل الإعلام أو الحوامل، ودراسة الجمهور، ودراسة التأثيرات. وقد جرى إعطاء أفضلية لبُعدين، هما: تحليل المحتوى ودراسة مسألة تأثيرات وسائل الاتصال[3] في ظل سياقات تاريخية خاصة أعطتهما الأفضلية.
يمكن تصنيف بحوث الإعلام والاتصال إلى ثلاث اتجاهات أساسية:
- الاتجاه الأول: يعالج علاقة الاتصال بالدماغ: إدراك وتفكيك الصورة واللغة.
- الاتجاه الثاني: يرتكز على مشاكل الاتصال بين الإنسان والآلات.
- الاتجاه الثالث: يرتكز على علوم الإنسان والمجتمع، وكذلك تأثير تقنيات الاتصال في مسار المجتمع.
نحو بناء مفهوم أنثروبولوجي للاتصال.
حظي الاتصال كتجربة أنثروبولوجيا بمسار طويل قبل بلورة هذا البعد الأنثروبولوجي في الظاهرة الاتصالية، وتوسيع مجال الاتصال في الحياة اليومية، ومن بين التعريفات التي اتكأت على هذا البعد تعريف R. Birdwhistell الذي أكد أن الاتصال نسق سلوكي مدمج، يقوم بتصنيف وضبط وحفظ السلوكيات ومنه يجعل هذا الاتصال العلاقات بين الناس ممكنة". يرى نيكولاس لومان أن الاتصال عملية اجتماعية، فبدون اتصال لا يمكن أن نصف المجتمع المعاصر، لأن الأنساق الاجتماعية تتشكل من خلال الاتصال.
يرى Paul Watzlawisk أن الاتصال لغة تغيير؛ والاتصال هو مصدر لتغيير فيزيائي، وهذا بقوله "إن بعض الاتصالات الشخصية ليس لها أثر فقط في تغيير بعض الأمزجة، الآراء والمشاعر كما يلاحظ يوميا، ولكن يمكن أن تكون في ذات الوقت مصدر لتغيير فيزيائي لا يمكن أن ينتج بشكل قصدي".
يمكن الإقرار بأنّ الاتصال هو ميكانزيم التنظيم الاجتماعي، تماما مثلما يكون إيصال وبث المعلومات ميكانزيم السلوك الاتصالي، ويسعى غريغوري باتسون وجورجن روش الذين أصدرا كتاب بعنوان Communication : The social matrix of psychaitry الذي كشف عن هاجس التحرر من المفاهيم التي سيطرت على الاتصال في ذلك العهد، فالاتصال لا يتعلق ببث الرسائل اللفظية بشكل صريح وقصدي فقط، بل يتضمن مجموع المسارات التي تتأثر من خلالها المواضيع بشكل ودي ومتبادل، ويرتكز هذا التعريف على أساس أن لكل فعل أو حدث يعطي أبعادا اتصالية، عندما يتم إدراكها من قبل الإنسان، ويضيف جورجن روش أن الإنسان لا يدرك العالم عن طريق التفاعل الاجتماعي والاتصال فحسب بل يشكل هذا الاتصال أساسا لتنظيم محيطه.
ويصر علماء الأنثروبولوجيا على أن التواصل لا يقتصر على التواصل اللفظي، بل هو عملية أكثر تعقيدا، مثل السلوك الجسدي، حيث تلعب الحركات اللاإرادية دورا في عملية الاتصال، فبالإضافة إلى أن كل ثقافة لديها مدونة سلوك ثقافي محددة للتواصل، فإنها تعتمد على مقولة لا يمكن للمرء إلاّ أنّ يتواصل، مما يعنى أن الاتصال يندمج بشكل كامل في عملية اجتماعية دائمة، والتي تشمل نماذج مختلفة من السلوك والكلام والحركات والنظرات وكذلك في مختلف مجالات الحياة الإنسانية والثقافية.
يمكن استحضار الاتصال كموضوع أنثروبولوجي في اسهامات واجتهادات باحثين آخرين ساهموا هم في إرساء معالم الأنثروبولوجيا، من ذلك ما قدمه تايلور حيث كان اهتمامه منصبا حول الثقافة والعناصر الثقافية، إذ أشار إلى أن بقاء الأخيرة مرهون باستمرارية تداول سماتها، ومن ذلك اللغة والقرابة على اعتباراها الحامل والدعامة للمعنى والدلالة الثقافية بشكل عام، ويؤكد من هذا المنظور ولمرة أخرى حقيقة كون كل من اللغة والثقافة والعادات والتقاليد مضامين ووسائل اتصالية تواصلية رمزية من شأنها أن تكشف حقيقة الجماعة البشرية وهي في الوقت ذاته مواضيع هامة للبحث الأنثروبولوجي.
وقد شكل الاتصال والتواصل موضوعا أساسيا للبحث والتحليل وهو ما نجده متداولا وبشكل صريح في أفكار رواد الانثروبولوجيا الألمانية، ولعل أهمهم: فريديريك راتزل من خلال تأكيده على أهمية الاتصالات والعلاقات بين الشعوب ودورها في نمو الثقافة وانتشارها، وركز كذلك على أهمية هذه العناصر في انتشار السمات الثقافية ويكون بهذه الأفكار قد دعم حقيقة كون الاتصال محورا أساسيا من محاور البحث الأنثروبولوجي. وفي السياق ذاته أكدّ مارسال موس Marcel Maus على أهمية الاتصال الذي اعتبره مفتاحا من مفاتيح الدراسات الأنثروبولوجية حيث قال "على الباحث الأنثروبولوجي أن يتعلم كيف يصبح اثنوغرافياً قبل التنظير، ويقتضي منه تعلم أبجديات الاتصال والتفاعل المتداول بين افراد الجماعة البشرية موضوع الدراسة أو ما يمكن تسميته بـ "المفاتيح الاتصالية اللفظية وغير اللفظية"[4].
المرجعية السبرنطيقية:
نشر نوربرت وينر كتابه السيبرنيطيقيا أو التحكم والاتصال عند الحيوان والآلة Cybernetics or Control and Communication in the Animal and Machine وقد ضمنه رؤيته لمسألة التنظيم داخل المجتمع المستقبلي القائمة على مادة أولية جديدة ستظهر قريبا وتتمثل في "المعلومة" وبالرغم من أنه دعا بكل قوة إلى تخليق هذا النموذج الأعلى لـ "مجتمع المعلومات" هذه الطوباوية الجديدة إلاّ أنه حذر من أخطار الانحرافات التي قد يحملها، فالتدهور كنزوع للطبيعة إلى تدمير المنظم وتسريع ظاهرة التخريب البيولوجي والفوضى الاجتماعية، يمثل الخطر الأعظم الذي يجب تحاشيه وتعتبر المعلومات والآلات التي تعالجها والشبكات التي تنسجها من أنجح الوسائل لمواجهة هذا النزوع نحو التدهور، وقد كتب وينر بهذا الخصوص" إن مجموع المعلومات في نظام ما هو مقياس درجة تنظيمه؛ والتدهور هو مقياس درجة فوضويته؛ حيث أن كل منها يمثل الوجه السلبي للآخر" إن قيام مجتمع المعلومات مشروط بالقدرة على تدوير المعلومات وتبادلها من دون معوقات فهي مناقضة، من حيث المبدأ والتعريف للحصار وممارسة السرية، وعدم المساواة في الوصول إلى المعلومات، وتحويل هذه الأخيرة إلى سلعة ذلك أن اتساع دائرة التدهور والتراجع مرتبط مباشرة وتناسبيا، بتراجع التقدم، وعلى عكس شانون الذي تجنب تقديم قراءته لتطور المجتمع فإن وينر لم يتردد تحت ضغط عودة البربرية التي شكلتها الحرب العالمية الثانية في فضح مخاطر التدهور موجها نقدا راديكاليا للعوامل المناقضة للانضباط الذاتي والمتمثلة في التحكم المفرط في وسائل الإعلام، لأن هذا النظام الذي يجب أن يساهم أكثر من أي شيء أخر، في الانضباط الاجتماعي الذاتي سقط حسب رأيه مباشرة في أيدي أولئك المهوسين بالسلطة والمال
[1] معتصم بابكر مصطفى، بحوث الاتصال في العالم العربي وفاعليتها في إثراء المعرفة الإعلامية النظرية، مركز الجزيرة للدراسات، https://studies.aljazeera.net/ar/article/5456 تاريخ النشر: 07/09/2020، اطلع عليه يوم: 03/03/2024 على الساعة 21:41.
[2] أرمان وميشال ماتلار، تاريخ نظريات الاتصال، تر: نصر الدين لعياضي والصادق رابح، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2005، ص 19.
[3] معتصم بابكر مصطفى، مرجع سبق ذكره.
[4] راشدي وردية، الأسس النظرية والإجراءات المنهجية لأنثروبولوجيا الاتصال، مجلة الباحث في العلوم الإنسانية والاجتماعية، المجلد 8، العدد 1، 2017، ص 196.
المحاضرة الخامسة
المحاضرة رقم (5): التأسيس الأكاديمي لأنثروبولوجيا الاتصال
الأهداف التدريسية:
ü التعرف على بواكير الاهتمام العلمي في دراسة الاتصال من المنظور الأنثروبولوجي.
ü تحديد المنطلقات الأساسية لميلاد أنثروبولوجيا الاتصال.
الإرهاصات الأولى لبناء مقترب أنثروبولوجي للاتصال
تعتبر أنثروبولوجيا الاتصال فرعا أساسيا من الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، يعنى بدراسة الجوانب الاتصالية والتواصلية في الإنسان، من خلال تركيزه على أنماط الاتصال والتواصل التي ينتهجها هذا الأخير والوسائل المعتمدة في العملية الاتصالية، فضلا على أنماط التفاعلات الرمزية ضمن سياق التواصل، ووضعية الفاعلين، وبالرغم من ظهور البواكير الأولى لهذا التخصص العلمي في ستينيات القرن الماضي، إلا أن هذا لم يمنع من بروز أشكال مختلفة من الاهتمام بالاتصال في العديد من الممارسات الأنثروبولوجية التي تعود بجذورها إلى الفكر الأنثروبولوجي[1].
تستوحي أنثروبولوجيا الاتصال قاعدتها النظرية من أعمال: Hymes Dell, Winkin, Goffman, BridWhistell, Goodenough وآخرون، حيث يرى ويكن ايف أن أنثروبولوجيا الاتصال هي قبل كل شيء شكل معين من أشكال البحث في العلوم الاجتماعية[2].
كان أول ميلاد علمي لأنثروبولوجيا الاتصال بعد مقال قدمه الأنثروبولوجي وعالم اللغويات دال هايمز Hymes Dell والموسوم بـ "إثنوغرافيا الكلام" سنة 1964، ثم أنثروبولوجيا الاتصال كمشروع بدأت تتضح معالمه في نهاية السبعينيات في الولايات المتحدة الأمريكية، وكان هدف هايمز دفع علماء الانثروبولوجيا نحو اعتبار اللغة والأشكال الأخرى للاتصال الشخصي ظاهرة ثقافية أساسية، مثلما هو حال أنظمة القرابة أو التنظيم الاجتماعي، ويستهدف البرنامج أيضا اللسانيين، خصوصا منهم التوليدين الذين يعيبون اعتبار اللغة نتاجا معرفيا فرديا، فهو يرى "ما يمكن أن يزودنا بالإطار المرجعي الذي يحدد مكانة اللغة في الثقافة والمجتمع ليس اللسانيات بل الإثنوغرافيا وليس اللغة بل التواصل.
قام هايمز بتوسيع المنظور الوظيفي لتصوره الفكري من خلال توسيع العوامل التي قدمها جاكبسون وعدم حصر الرسالة في التبادل الشفهي، وسيتبلور التفكير المنهجي لهايمز في انفتاحه على الأنماط والشفرات غير لسانية، كما اقترح هايمز مصطلح "المهارة التواصلية" ليعبر عن مجموع المعارف التي يجب على كل فرد تعلمها حول اللغة واستعمالاتها المناسبة لكي يكون عضوا كامل العضوية في جماعة كلامية[3].
قدم Sherzer Joel انتقاداته لأستاذه هايمز والتي شكلت أسسا وأفقا لمحتوى الدراسات الأنثروبولوجية للانتقال بأنثروبولوجيا الاتصال إلى رحلة جديدة، حيث أكد أن هذه الدراسات من الضروري أن يتم الالتزام بها بوصفها ما يلي[4]:
- السبل والوسائل الاتصالية للجماعات والمجتمعات.
- استعمال هذه السبل والوسائل.
- العلاقات المتبادلة بين السبل والوسائل وأنواع الخطابات وأنواع التفاعل الاجتماعي.
- العلاقة بين الصيغ وطرق الاتصال وباقي المجالات الثقافية والتنظيم الاجتماعي، والسياسي، والاقتصادي، والديني.
كتب جيمس دبليو كاري عام 1975 مقاربة ثقافية للتواصل، حيث ربط مفهوم كلاسيكي مثل الطقوس ونظرية جديدة مثل الأنثروبولوجيا الرمزية وتطبيقها على تعريف الاتصال[5]، وركز مايكل شودسون عام 1989 على المفهوم الرئيسي الأنثروبولوجي، وهو الثقافة، وطبقه على دراسة التلفزيون، كما اهتم بالتأثير المباشر للأشياء الثقافية، أي إذا ما كان التعرض لرموز معينة، تقود الرسائل في وسائل الإعلام المختلفة، يدفع الناس إلى تغيير طريقة تفكيرهم في العالم أو التصرف فيه.
وأجرت "كارولين مارفن" عام 1999 بحثا لإظهار استمرار ذلك الاتصال، والتركيز على أحداث وسائل الإعلام، وعلى الأساليب الأنثروبولوجية المُطبقة في أبحاث الاتصال، وعلى غرار جيمس كاري اتخذت كارولين مارفن منظور "الطقوس" كمنظور علمي قادر على دفع أبحاث الاتصال خطوة إلى الأمام، وجادلت بأن أنثروبولوجيا وسائل الإعلام هي آلية خرافة وطقوس للقومية الأمريكية، وكان علماء الأنثروبولوجيا قادرين على التفكير في العواقب المنطقية لربط الأسطورة والطقوس وكتلة الوسائط، لذلك عُد عملها تبريرًا لهم حيث ربطوا بين الأنثروبولوجيا والاتصال الجماهيري باستخدام المفاهيم الكلاسيكية من دراسة السحر والدين[6].
أنثروبولوجيا الاتصال والمدرسة الفرنسية
تأسست الأنثروبولوجيا الفرنسية في بدايات القرن العشرين، وتبلورت شخصيتها من تقليدين أساسيين: حيث امتازت باستمرار استنادها على تقاليد النظريات الكبرى، وعلى الدراسة التفصيلية والصارمة للحقائق والمعلومات، وتعكس التجارب والأعمال الأنثروبولوجية الفرنسية خلال القرن العشرين التحولات التي عرفتها الدراسات الأنثروبولوجية، من صدامات واستقطابات حادة، وتكامل وتعاون في مراحل من تطورها[7].
يعد "أيف وينكين" Yves Winkin الأستاذ بجامعة ليبج Léigeومدير مخبر Anthropologie de la communication، أحد أفضل المتخصصين الأوروبيين في مجال أنثروبولوجيا الاتصال، قدم وينكين نهجا جديدا للتواصل أطلق عليه اسم "أنثروبولوجيا الاتصال" وهي بالأساس مقاربة منهجية تعتمد على استخدام ومعالجة المفاهيم والنظريات المقدمة في الميدان، حيث يرى "أنها موقف بحثي اتجاه العالم الاجتماعي أكثر من كونه نظاما أو مجالا للبحث" هذا الموقف البحثي يسمح بإطار نظري مفتوح يجب أن يرتكز على منهجية ثابتة ومتجانسة، بعد تقديمه النموذج التلغرافي للتواصل مقابل النموذج الأوركسترالي الذي يعترف بالتزامه به، يوضح ايفن وينكين الروابط الموجودة بين مؤلفين مثل جوفمان وباتسيون وبيردويستيل أو هايمز ومساهماتهم في أنثروبولوجيا الاتصال[8] في كتابه الموسوم بـ "أنثروبولوجيا التواصل من النظرية إلى ميدان البحث".
[1] راشدي وردية، الأسس النظرية والإجراءات المنهجية لأنثروبولوجيا الاتصال، مجلة الباحث في العلوم الإنسانية والاجتماعية، المجلد 8، العدد 1، 2017، ص 192.
[2] رضوان بوجمعة، أشكال الاتصال التقليدية في منطقة القبائل -محولة تحليل أنثروبولوجي- أطروحة دكتوراه، كلية العلوم السياسية والإعلام، جامعة الجزائر 3، 2006/2007، ص95.
[3] ايف ويكن، أنثروبولوجيا التواصل من النظرية إلى ميدان البحث، تر: خالد عمراني، هيئة البحرين للثقافة والأثار، البحرين، 2018، ص 107، 108.
[4] رضوان بوجمعة، المرجع نفسه، ص 96.
[5] بسنت محمود، الأكاديميا العربية تخصص أم عصبية؟ أنثروبولوجيا الاتصال نموذجًا، موقع مزيج متاح على الرابط: الأكاديميا العربية تخصص أم عصبية؟ أنثروبولوجيا الاتصال نموذجًا | مزيج (mazeej.com)اطلع عليه يوم: 04/03/2024 على الساعة 19:04.
[6]بسنت محمود، مرجع سبق ذكره.
[7] المرجع نفسه.
[8] Jean-Luc Maurin, Anthropologie de la communication de la théorie au terrain, de Yves Winkin, open edition journals, presses universitaires de bordeaux, 1996.
المحاضرة السابعة
المحاضرة رقم (7): التواصل الأوركسترالي
الأهداف التدريسية:
ü تلقين الطالب البناءات النظرية التي أسهمت في الاتصال الأوركسترالي.
ü فهم الأبعاد الاتصالية لنموذج الأوركسترالي للاتصال على ميلاد أنثروبولوجيا الاتصال.
مقدمة:
اتخذت مدرسة بالو ألتو منحى معاكس للنظرية الرياضية لشانون، حيث قامت بالتخلي عن النموذج الخطى للاتصال، وتبنت النموذج الدائري الارتدادي الذي اقترحه وينر، حيث تقدم هذه المدرسة تصورا في حقل الاتصال يجب أن يتم بالنظر إلى مستوى التعقد والسياقات المتعددة والأنظمة الدائرية، إن دور المتلقي في هذه الرؤية التواصلية الدائرية يماثل في الأهمية دور المرسل، فقد حاول باحثو بالو ألتو وبالاعتماد على المقاربة النسقية تشخيص وتبيان وضعية تفاعلية شاملة، فماهية الاتصال حسب هذه المؤسسة تكمن في سيرورة علائقية وتفاعلية فكل سلوك بشري يملك قيمة اتصالية[1].
الاتكاء على النسق:
نشأت المقاربة النسقية في الولايات المتحدة الأمريكية في أوائل الخمسينيات، وتستند هذه المقاربة على مفهوم التفاعل والتغذية الراجعة والانضباط والتنظيم والهدف والرؤية الكلية والنمو وتتبلور في عملية النمذجة التي تستخدم اللغة الرسومية وتنتقل من تطوير النماذج النوعية في شكل خرائط إلى بناء نماذج ديناميكية. ويعرف ولمان النسق بأنه مجموعة من العناصر لها نظام معين وتدخل في علاقات مع بعضها البعض لتؤدي وظيفة معينة بالنسبة للفرد، كما أنه مجموعة أجزاء أو وحدات بينهما اتصال داخلي، تؤثر هذه الأجزاء على بعضها البعض، وقد تتكون هذه الأجزاء من أعضاء كم هو الحال في الجسم الإنساني، أو أفراد الأسرة أو مجموعات في مجتمعات، وتتجمع هذه الوحدات وتتبادل التأثير والتأثر من خلال التواصل[2].
مدرسة بالو ألتو (المجمع الخفي):
تأسست مدرسة بالو ألتو في منطقة بالو ألتو بكاليفورنيا، وقد اقترحت نظرية جديدة للتواصل تتجلى في تجاوزها النموذج الخطي المحض الذي يمثله شانون، ثم بعده رومان جاكبسون واستبداله بالنموذج النسقي، على اعتبار أن التواصل حسب منظور مدرسة بالو ألتو أساس أي خلل قائم داخل النسق العائلي الاجتماعي، ومن المفاهيم الأساسية التي اعتمدت عليها بالو ألتو مفهوم "الإجبار المزدوج" كمفهوم ذي قيمة أساسية مكّنت من فهم حالة انفصام الشخصية بمعزل عن التصور الفورويدي، وتعتبر هذه المدرسة الاتصال ظاهرة اجتماعية حيث يتم التركيز فيها على العلاقة التي تربط صيرورة دائرية بحيث تحدث كل رسالة تغذية راجعة Feedback، ومن منظور بالو ألتو لا يختزل الاتصال في الرسالة اللفظية فحسب على اعتبار أن لكل سلوك اجتماعي قيمة تواصلية ففي حالة التفاعل "لا يمكن إلا أن نتواصل" حيث إن الإيماءات أو الحركات أو المواقف وبل السلوكيات تنقل من شخص ما (فالصمت يمكن أن يدّل على الخجل أو التحفظ أو القمع أو الامتعاض) وكل رسالة في التصور النسقي لنظرية التواصل حسب رواد هذه المدرسة تقضى مستويين من الدلالة فهي لا تنقل المحتوى الاخباري فحس بل تعبر أيضا عن شيء ما حلو العلاقة التي تربط المتخاطبين[3].
التصور الأوركسترالي:
شرح Ray Birdwhistell النموذج الأوركسترالي وفسر ذلك على أن جميع الأفراد الذين يتشاركون في أي فضاء مشترك ضمن الأبعاد الاجتماعية والنفسية هم "رجال أوركسترا" لأننا جميعا حسب قوله "نعزف" عدة آلات في وقت واحد ونلعب بالكلمات والإيماءات في المساحة الني تبنيها، الوقت، الصمت، الملابس، التي نرتديها والتي تمثل ناقلات اتصال مهمة[4]. فسر Winkin مقولة Birdwhostill أن قنوات الاتصال المختلفة هذه تعمل بشكل متزامن بالتنسيق بين النظرات والإيماءات التكاملية لجهل الاتصال أكثر كفاءة، ويقول أيضا "" منغمس في البحث عن صياغة أفكاري أخفض بصري لا أنظر أكثر إلى محاوري لكن موجة من اليد تسيطر، وتحافظ على العلاقة مع الجمهور[5].
يؤسسGregory Bateson* مفهومه للجوقة حين قال "أن تتصل يعني أن تدخل في جوقة communique c'est entrer dans l'orchestre " ويقترح قبل بث رسالة ما ضرورة التساؤل لمن وبأية الآلة ومنه فالدخول في الجوقة يستوجب موافقة الفرد على اللعب على السلم الموسيقي واختيار الآلة المناسبة واحترام الوقت والايقاع واستماع الأخر والتحدث معه وهو ما يتطلب التمرين والمهارات واحترام القواعد
ينظر باتسيون وبرودسيتل إلى التواصل على أنه نشاط اجتماعي يدمج التواصل بين الأفراد، في مجموعة من الرموز الضمنية لفظية وغير لفظية في كثير من الأحيان مستندة على القواعد الاجتماعية التي تشكل ثقافة مشتركة ينتقل مبدأها من جيل إلى جيل. يؤدي التصميم الأوركسترالي إلى العديد من الملاحظات، والتي تؤثر بشكل كبير على تحليل عمليات الاتصال، والتي لها صلة خاصة بدراسة الاتصال في البيئات متعددة الثقافات كون الاتصال جزء لا يتجزأ من النظام الثقافي السائد في البيئة، فمن المستحيل الهروب منه ومن المستحيل عدم التواصل، إذ يعتبر الصمت في حدّ ذاته تواصلا، نتيجة لذلك فلا يمكننا الحكم على أن التواصل جيد أو لا ولكن يمكن دراسته إلاّ كعنصر من عناصر الأداء الاجتماعي لمجموعة أو مجتمع[6].
إن أعمال الاتصال لأعضاء المجموعة الاجتماعية ليست محاولات لنقل رسالة ما، ولكنها سلسلة من المظاهر الزائدة التي يتناسب فيها محتوى الرسالة مع مجموعة من الإجراءات الطوعية أو غير الطوعية التي تهدف إلى تأكيد انتماء جهات الاتصال إلى مجموعة الاجتماعية بحيث لا يمكن فهم المعنى الحقيقي للرسالة دون مراعاة هذه الإشارات الاجتماعية.
نفهم بعد ذلك أن التواصل الأوركسترالي، لا يكون لمحتوى الرسالة أو لفظها هو الأسبقية من مجموعة الإيماءات والمواقف والتعبيرات والأشياء التي تحكم النطق وأحيانا تحل محله أو تناقضه، الشيء الرئيسي لفهم الموقف الاتصال والرسالة ليس "ماذا" ولكن "كيف"
شكل رقم 1: يوضح تمثيل النموذج الأوركسترالي[7]

Ø التواصل والأنثروبولوجيا والطب النفسي: غريغوري باتسيون
في سنة 1951 نشر غريغوري باتسيون وهو أنثروبولوجي إنجليزي الأصل ويورغن رويش Jurgen Rush وهو طبيب نفس سويسري كتابا في الولايات المتحدة الأمريكية تحت عنوان "التواصل: المصفوفة الاجتماعية للطب النفسي" Communication : the Social Matrix of psychiatry حيث قام باعتبار التواصل لا يتعلق التواصل فقط بإرسال رسائل لغوية صريحة ومقصودة يدمج التواصل ما هو مستعمل من منظورنا مجموعة العمليات التي عبرها يحصل التأثير والتأثر المتبادلين بين المتواصلين، سيعترف القارئ بأن هذا التعريف يرتكز على مقدمة مفادها أن لكل فعل أو حدث يقدم مظاهر تواصلية بمجرد أن يدركها الإنسان[8].
ويرى باتسيون وروش أن التواصل يصبح قضية علمية إذا تصور الملاحظ الأشياء بصفة علائقية وممنهجة هيكلة أو نظامية، كما أن الاتصال يصبح ضورة بيولوجية للإنسان ومهما فعل فإنهم في تواصل، في هذا الصدد يقولان "تبقي حواسنا على أهبة دائمة وتسجل بلا انقطاع الإشارات التي تصلها وبالمقابل فإن الأعضاء المثارة لا تكون أبدا في راحة، ونرسل باستمرار رسائل إلى العالم الخارجي... وبمقدار ما تفرض الطريقة التي بواسطتها يستجيب فرد لأحداث يدركها بعث رسائل نحو الأعضاء المرسلة الطرفية، يتصور نظام الأعضاء الداخلي بجلاء بوصفه جزءا من النظام البيشخصي إن لم نقل فوق شخصي (ثقافي)"، وعليه سيحاول رويش وباتسيون التمييز بين أربعة مستويات تبعا لمجال العلاقات التي يعتبرها الملاحظ الخارجي[9]:
- داخل شخصي (ينحصر المجال في الذات)
- بيشخصي (بين فردين)
- جماعي (عدة أشخاص)
- ثقافي (أشخاص كثر)
Ø استحالة عدم التواصل: في فصل المعلومة والتشفير، من كتاب "التواصل: المصفوفة الاجتماعية للطب النفسي" يقدم باتسيون بسرعة لائحة أفكار حول العلاقة بين نظام القيم وأنظمة تشفير المعلومة (حكم القيمة وحكم الواقع) ويقترح في هذا الصدد فكرة مفادها أن لكل رسالة هي في الوقت ذاته تقر*ير حول أحداث سابقة وأمرCommand يمنه ثني فعل المحاور
"حينما يتكلم أ مع ب، فإن الكلمات التي استعملها كيفما كانت ستكون ذات مظهرين: فهي ستكلم ب عن أ وتحمل المعلومة حول إدراك أو معرفة يمتلكها أ، وستكون هذه الكلمات سببا أو قاعدة لفعل قادم من طرف ب “
سيصبح الثنائي مؤشر/ أمر فند فاتزلافيك وزملائه بقليل من التشديد، علاقة بين جانب "مضمون" وجانب علاقة الرسالة (يشير جانب الأمر إلى الطريقة التي يجب أن تفهم بها الرسالة وفي نهاية المطاف فهم العلاقة بين الشركاء)، ويمكن اعتبار جانب الأمر أو علاقة الرسالة رسالة ثانية، تشمل الأولى وتحدد كيف يجب أن تفهم وتستوعب (مثال أمر، مزاح، شتم ...) سيتلم باتسيون في البداية ثم فاتزلافيك وزملائه لاحقا عن تواصل حول التواصل أي ما بعد التواصل (ميتا تواصل).
Ø التواصل الرقمي والتواصل التماثلي: ينبثق هذا النموذج الاتصالي من العلوم الهندسية، والذي يقوي التعارض بين اللغوي وغير اللغوي، وبين المحتوى والعلاقة يمكن أن تكون معلومة عن العالم الخارجي مشفرة، وأن تدخل في آلة بواسطة بعض العمليات التي تعتمد على المنطق الثنائي وهكذا نتحدث عن معلومة رقمية، وبالمثل فإن اللغة المبنية على اعتباطية الشفرة يمكن تصورها كعملية تشفير رقمي، وبالموازاة مع ذلك فإن أنماط السلوك غير الشفهي وفق باتسيون يمكن اعتبارها أنماط تواصلية تماثلية "لأن زخم الحركة، وعمق الصوت وطول التوقف وتوتر العضلات تقابل مباشرة أ عكسيا حجم العلاقات التي هي موضوع الخطاب"، وبالنسبة إلى باتسيون سيكون التواصل التماثلي طريقة التواصل حول العلاقات في حين ان التواصل الرقمي هو طريقة التواصل حول الأشياء (حول المضمون)[10].
Ø التناظر والتكامل: يتصور باتسيون دائما التفاعل بين الأشخاص أو بين المجموعات، كمقطع أو كمتتالية من ردود الأفعال تترتب عن ردود أفعال على ردود أفعل وهكذا، يميز بين نظامين أساسيين للعلاقات: علاقات تناظرية يدخل من خلالها المشاركون في أحضان دوامة مبنية على نوع حجم السلوك نفسه (مثلا العنف)، وعلى العلاقات التكاملية التي يكون خلالها المشاركون كيانا ثنائي القطب (مثلا الحماية والضعف، السلطة والخضوع، حب الظهور واستراق النظر)[11].
يقترح باتسيون عدة كيفيات سبرنطيقية تمكن النظام من الاحتفاظ على استقراره وتوازنه، وفيما يلي السلسلة التي تقود إلى الاستقرار والتوازن والتي أشار إليها في كتابه épilogue حيث تم اختبار هذه الافتراضات على مواضيع اثنوجرافية[12].
Ø السياق: الاختلاف الذي يولد الاختلاف:
السياق مصطلح شامل يدل على كل الأحداث التي تعين للهيئة وسط مجموعة الإمكانات التي يمكنها أن تقوم فيها بالاختيار الثاني، ويقحم باتسيون مصطلح "مؤشر السياق" الذي يعرفه كمصدر معلومة خاصة تسمح لهيئة بإدراكه وفهم ما إذا كانت تتطور في سياق مختلف أم لا، ويقترح مؤشرات سياق السياق: وهكذا إلى ما لا نهاية، يعني بهذه العبارة منطقيا، العناصر التي تسمح بتمييز سياقات تتم فيها الأحداث التي بذاتها تستعمل كسياق لأحداث أخرى[13].
الأبعاد السبعة للتواصل الأوركسترالي[14]:
- حينما نتصور التواصل كنشاط اجتماعي توضع آلية من رتبة عليا فوق الاتصال البيفردي، وكل فعل لبث رسالة يدمج في مصفوفة أكثر اتساعا تشبه الثقافة في اتساعها، وهذه المصفوفة هي التي تحظى باسم التواصل الاجتماعي وتشكل مجموع الشفرات والقواعد التي تجعل التفاعلات والعلاقات بين أفراد الثقافة ذاتها ممكنة وتصون انتظام قابلية التنبؤ، وهكذا يكون التواصل الاجتماعي دائما لا يعتمد على العمل الفردي، بل يضمن الفرد إدماج فعله في استمرارية، فالفرد يعتبر فاعلا اجتماعيا وكأنه مشارك في كيان يستوعبه ويصنفه.
- تحقق المشاركة في التواصل بكيفيات متعددة شفهية أو غير شفهية، يمكن من يساهم من الفاعلين المنخرطين في نظام التواصل إنتاج وحدات معلومات خاصة جدا، لكنها تبقي أنشطة نادرة جدا، تكون الأنشطة التواصلية في أغلب الأوقات أنشطة مراقبة وأنشطة تأكيد وأنشطة إدماج حيث يلعب التكرار دورا كبيرا وهكذا يحاول الباحث في التواصل الاجتماعي أن يحدد المضمون أكثر من السياق وأن يحدد المعلومة أكثر من الدلالة.
- لا تحدد القصدية في التواصل: حينما يتكلم شخصان بلغة معينة، فإنهما يشاركان في نسق لغوي قبلهما سيبقي بعدهما، حينما يتبادلان الكتابة فإنهما يستعملان شفرة تمكن الآخرين من قراءة رسائلهما.
- يعتبر التواصل بناء نظريا يسمح بدراسة متعددة التخصصات لديناميكية الاجتماعية.
- إن التواصل نظام تفاعل واسع بين الأجيال والتفاعلات في الحياة اليومية ليست سوى تفعيل وكل فاعل اجتماعي تمكن تدريجيا من تعلم بعض الشفرات، وبرامج مجموعته، وشريحته، ومجتمعه.
- يعتبر البحث بالضرورة جزءا من النظام الذي يدرسه، سواء عمل أم لا على ثقافته الخاصة، وحتى عندما يدخل ثقافة غير معروفة مثل قادم من المريخ، فإن الباحث لا يمكنه إلا أن يفهم ولو على المدى القصير مظهرا من مظاهر سلوك محاوريه.
- يفهم بناء التواصل الاجتماعي عبر صورة الأوركسترا إذ يساهم أعضاء ثقافة معينة في التواصل مثلما يساهم الموسيقيون في الأوركسترا، لكن أوركسترا التواصل ليس لها قائد ولا يمتلك الموسيقيون نوتة، إنهم يعيشون تناغما إلى حدّ ما لأن بعضهم يسترشد البعض الأخر بالتناوب أثناء العزف، إن النغمة الموسيقية التي يعزفون هي بمثابة مجموعة تعالقات مهيكلة، إذ قام باحث بتفكيك هذه النغمة أو نسخ رموز النوتة سيري بلا شك أن النوتة التي حصل عليها أمر معقد جدا، وأن الأمر فعلا يتعلق بموسيقي وليس بمجرد ضجيج بسيط.
قائمة المراجع:
[1] ارمان وميشال متلار، مرجع سبق ذكره، ص 79.
[2] ايف وينكن، مرجع سبق ذكره، ص 59.
[3] ايفن وينكن، مرجع سبق ذكره، ص 60.
[4] بلعباس تقي الدين، النسق الاتصالي في البيئة الصحية بالجزائر: دراسة إثنوغرافية على عيادة متخصصة بولاية المسيلة، أطروحة دكتواره، قسم علوم الإعلام والاتصال، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة محمد بوضياف بالمسيلة، 2021/2022، ص16، 17.
[5] المرجع نفسه، ص 16.
*جريجوري باتسون ولد في جرانتشيستر بالمملكة المتحدة في 9 مايو 1904. كان عالمًا أنثروبولوجيا وعالمًا اجتماعيًا ولغويًا وعالمًا في علم التحكم الآلي، وكان لعمله تداعيات في العديد من المجالات الفكرية الأخرى. تنعكس بعض أهم كتاباته في كتبه تجاه بيئة العقل (1972)، عقل والطبيعة وحدة ضرورية (1979) وحيث يتردد الملائكة. نحو نظرية المعرفة المقدسة (1987).
[6] بلعباس تقي الدين، مرجع سبق ذكره، ص ص 16، 17.
[7] MUCHIELLI, « Les modèles de la communication », in La Communication -Etat des savoirs, Paris, Editions Sciences Humaines, 2010, P. 68
[8] إيف وينكن، مرجع سبق ذكره، ص 60.
[9] إيف وينكن، مرجع سبق ذكره، ص 60.
* ترجم لفظ تقرير report المستعمل من طرف باتسيون إلى اللغة الفرنسية بـ "مؤشر".
[10] ايف وينكن، مرجع سبق ذكره، ص 64.
[11] المرجع نفسه، ص 67.
[12] المرجع نفسه، ص71.
[13] يحي تقي الدين، محاضرات في مقياس: ابستيمولوجيا علوم الإعلام والاتصال، محاضرات موجهة لطلبة السنة الأولى ماستر تخصص: اتصال وعلاقات عامة، جامعة محمد بوضياف بامسيلة.
[14] إيف وينكين، مرجع سبق ذكره، ص ص 96، 99.
- كيف أسهم النموذج الخطي لشانون في بناء الاسهامات الأنثروبولوجيا الاتصال لأقطاب بالو ألتو؟
المحاضرة الثامنة
المحاضرة رقم (8): نموذج Speaking

الأهداف التدريسية:
ü تلقين الطالب للمفاهيم الأساسية في نموذج Speaking وتحديد أبرز المصطلحات المرافقة لها.
ü تحديد الأهمية العلمية والمنهجية لنموذج ديل هايمز في التأسيس النظري لأنثروبولوجيا الاتصال.
كان ميلاد أنثروبولوجيا لاتصال كتخصص علمي أكاديمي سنة 1962 في الولايات المتحدة الأمريكية عبعد نشر مقال علمي للأنثربولوجي وعالم اللغويات ديل هايمز Dell Hymes * الموسوم بـ "إثنوغرافيا الكلام" ثم أصبح يعرف بـ "إثنوغرافيا الإتصال" سنة 1964. حيث اقترح هايمز برنامجا واسعا من الأبحاث حول العلاقات بين اللغة والمجتمع وأطلق عليه هذا البرنامج اسم إثنوغرافيا الاتصال، وكان هدفه دفع علماء الأنثروبولوجيا نحو اعتبار اللغة والأشكال الأخر للاتصال الشخصي كظاهرة ثقافية أساسية[1].
في سنة 1966 وبجامعة بنسلفانيا بالولايات المتحدة الأمريكية، تأسست مجموعة عمل بقيادة هايمز للقيام بدراسة مقارنة حول "دور الكلام في مجتمعات مختلفة" وكان هدف المجموعة طموحا جدا يتمثل في جمع كل المعطيات الإثنوغرافية الخاصة بالسلوكيات اللفظية بغية صياغة جدول أولي مقارن، يعط للتخصص الجديد اتجاهاته البحثية، وكانت نتيجة هذا العمل وثيقة تم نشرها في مجلة Texas Working Papers[2].
وفي عام 1967 استعمل Dell Hymes لأول مرة عبارة أنثربولوجيا الاتصالـ ضمن المشروع الذي اقترحه في دراسة إثنوغرافية للسلوكيات والظروف والمواضيع المدركة داخل فئة معينة، وكأن لها قيمة تواصلية حيث قال:"يجب أن يتوقف مدى التواصل في الأنثروبولوجيا على مدى التواصل في الثقافات أو الفئات التي تعتمد دراستها الإثنوغرافية على الأحداث والنظريات الأنثروبولوجية يكون السلوك والتفاعل باعتبارهما منتجات لسلوك منظم في كل ثقافة أو فئة بطريقة انتقائية، ويستعمل ويرجع إليه وتؤول من حيث قيمه التواصلية"
يستحضر هايمز فيما يخص التواصل المبدأ الأول لكل عمل إثنوغرافي: استخراج الرأي المحلي والأهلي والذاتي لكنه يستعير كذلك تعريف الثقافة الذي قدمه صديقه وارد عودناف سنة 1957 حيث قال: "تتمثل ثقافة المجتمع قبل كل شيء تجب معرفته أو الإيمان به من أفراد المجتمع، للتصرف بشكل مقبول بالنسبة إلى كل دور يقبلون به لكل فرد منهم"[3].
نموذج Speaking
يشكل هذا النموذج ميلادا مهيكلًا لأنثروبولوجيا الاتصال بعيدا عن علم اللسانيات وعلم اللغة اللذين كانا نقطة انطلاق هايمز قبل تأسيسه هذا العلم الجديد، فقد كان منتهي هذا النموذج ما أكده هايمز أنه: "من واجب الإثنوغرافيا وليس اللسانيات، وواجب الاتصال وليس اللغة توفير الإطار المرجعي الذي فيه يمكن تحديد مكانة اللغة في الثقافة وفي المجتمع". وقد اقترح ديل هايمز نموذج Speaking والذي حدد له كهدف، تزويد الباحثين بإطار وصفي ومنهجي الذي يأخذ بعين الاعتبار التغير والتقلب الثقافي لأنساق الاتصال، والذي يسمح بمقارنة دور الكلام في مجتمعات مختلفة، يحتوي النموذج على ثماني مكونات حددها على النحو التالي[4]:
1. السياق Setting: يرادفه المرجع في عملية الاتصال ويمثل الفضاء الذي تحدث فيه عملية التبادل والتحاور والمشاركة والتقاسم بين الفاعلين في العملية الاتصالية، ويوزاري هذا المفهوم المادي والبعد الزمكاني وكل المتغيرات المحيطة بالفعل التواصل بما في ذلك المعنى الرمزي المتعلق بالأطر السوسيو-ثقافية التي يطلق عليها يروي لوتمان بـ "الفضاء السيميائي"[5].
2. المشاركون Participants: كل المشاركين سواء أكانوا قد أخذوا الكلمة أو لا.
ويقصد بهم الفواعل في العملية الاتصالية، وهناك فواعل أساسية وأخرى فرعية أو ثانوية بالإضافة إلى فواعل محايدين أو سلبيين، حيث تتوزع هذه الفواعل في الفضاء الاتصال حسب درجتهم ومكانتهم الاتصالية فضلا على أدوارهم الموكلة إليهم والتي تتغير حسب الموضوع الاتصالي والرسالة المراد ايصالها واتجاه التحاور والتفاعل دون استثناء السمات الأنثروبولوجية التي تتحكم في توزيع الفواعل منها: القرابة والوظائف والأدوار الاجتماعية.
3. الغايات Ends: ويقصد بها هدف أو نتاج اللقاء.
الهدف من العملية الاتصالية أي قصدية التبليغ في العملية الاتصالية، وهذه الأهداف تتفق مع الأهداف التي وضعها جاكبسون في نمذجته للعملية الاتصالية وهي حسب المخطط التالي[6]:
4. الأفعال أو المنتوج Acts: ويقصد به الرسائل في حدّ ذاتها في موضوعها وفي شكلها.
سلسلة الأفعال والرسائل الاتصالية والتي يتم إنتاجها خلال سيرورة الاتصال في السياق المحدد، ومن قبل الفواعل وقصد تحقيق الأهداف المراد بلوغها في عملية الاتصال.
5. النبرة Keys: نبرات الرسائل، وتشمل أسلوب الاتصال وطريقة الأداء ويساعد تحليلها في تحديد قيمة المضمون الاتصال من جهة، وتحديد وضعية الفواعل في سياق الاتصالي من جهة ثانية.
6. الوسائل والأدوات Instrumentalités: ويقصد بها وسائل الاتصال وتتضمن الوسائط والقنوات -اللغة المنطوقة، المغناة، المكتوب، والمجاورة والمدونات لغات لهجات ومستويات اللغة.
وهي متعددة ومتنوعة حسب السياق الاتصالي ووضعية الاتصال (القنوات المنطوقة والمكتوبة والسمعية البصرية والافتراضية وغيرها)
7. المعايير Norms: معايير التفاعل التي تضبط أخذ الكلمة وتوزيعها وقواعد ومعايير التأويل التي تأخذ بعين الاعتبار الخلفيات والاختلافات الاجتماعية والثقافية.
وتشمل القيم والمعايير الاجتماعية التي تحدد الوعاء الاجتماعي المتحكم في الأداء الاتصالي من جهة والمعنى المشفر للعملية الاتصالية من جهة ثانية.
8. الأنواع Genres: ويقصد بها أنواع أو أنماط الخطابات، أي الفئات التي يصنف من خلال أعضاء جماعة ما نشاطاتهم اللفظية، قصص، حكايات غريبة، مآسي.
قام هايمز بتحليل مستفيض عن الصيرورة التي يتمكن منها الفرد أن يصبح عضوا في مجموعة الخطاب أو الكلام Speech Community، هذا يتم كما أكد من تعلم الطفل لقواعد اللغة ولما أسماه بالكفاءة التعبيرية والاتصالية، حيث أكد " أن الطفل يتعلم الجمل ليس بشكل نحوي فقط ولكن يكتسب كفاءة تمكنه من أن يعرف متى يتكلم، ومتى لا يجب أن يتكلم، وكذلك ما يجب أن يقول، ومع من، وفي أي وقت، وبأي شكل، فالكفاءة الاتصالية يقصد بها مجموع المعارف التي يجب أن يتعلمها الفرد من أجل أن يكتسب اللغة واستعمالاتها، كل فرد يصبح عضو بشكل كامل فيما سماه بـ "جماعة الخطاب والكلام"[7]. فالكفاءة الاتصالية Compétence Communicative تمر حسب مؤسسها عن طريق البحث في مصادر الثروات الرمزية التي تتمكن من خلالها الجماعة الاجتماعية من إنشاء وإيجاد و*سائل اتصال خاصة بها
* ديل هايمز عالم لغوي وأنثربولوجي وعالم اجتماع (1927- 2009) ولد في بورتلاند التحق بكلية ريد، حيث درس الأنثروبولوجيا وثقافات شمال غرب الهند تخرج عام 1950، وقام بعمل دراسات عليا في جامعة إنديانا، حيث حصل على الدكتوراه في اللغويات بأطروحة عن لغة كاثلاميت شينوكان. بين عامي 1955 و1987، كان هايمز عضوًا في كليات جامعة هارفارد، وجامعة كاليفورنيا-بيركلي، وجامعة بنسلفانيا، حيث قام بالتدريس في أقسام الأنثروبولوجيا والفولكلور والحياة الشعبية، شغل منصب عميد كلية الدراسات العليا في التربية. بين عام 1975 إلى عام 1987، كانت اهتمامات هايمز الفكرية والثقافية واسعة النطاق، وتأثر عمله بشخصيات مثل إريك أورباخ، وإرنست كاسيرر، وكلود ليفي شتراوس، وكينيث بيرك، وآل كروبر، بالإضافة إلى مجموعة متنوعة من الشعراء والكتاب المعاصرين. ليس من المستغرب إذن أن يكون الكثير من أعماله انتقائيًا ومتعدد التخصصات، وأنه ساهم في إنشاء مجالات أكاديمية جديدة جمعت بين الأنثروبولوجيا والإثنوغرافيا واللسانيات والنظرية الأدبية. تولى رئاسة جمعية الفولكلور الأمريكية (1973)، والجمعية اللغوية الأمريكية (1982)، وجمعية الفولكلور الأمريكية (1982). الجمعية الأنثروبولوجية الأمريكية (1983)، والجمعية الأمريكية لعلم اللغة التطبيقي (1986-1987) - الباحث الوحيد الذي شغل جميع المناصب الأربعة. استمر تأثير أعماله وأفكاره في مجالات اللغويات والأنثروبولوجيا والإثنوغرافيا والحياة الشعبية، سواء في الولايات المتحدة أو على المستوى الدولي، منذ وفاته في عام 2009، وخاصة في دراسة الآداب الأمريكية الأصلية التقليدية. ينظر: https://www.oregonencyclopedia.org/articles/hymes_dell_hathaway/
[1] رضوان بوجمعة، مرجع سبق ذكره، ص 95.
[2] المرجع نفسه، ص 96.
[3] إيف وينكين، مرجع سبق ذكره، ص 139.
[4] رضوان بوجمعة، مرجع سبق ذكره، ص ص 101، 102.
[5] راشدي وردية، الأسس النظرية والإجراءات المنهجية لأنثروبولوجيا الاتصال، مجلة الباحث في العلوم الإنسانية والاجتماعية، المجلد 8، العدد 1، 2017، ص 199.
[6] Koloina Rasoahoby, Modèle SPEAKING : la méthode de communication efficace de Dell Hymes, STILEEX, 02/12/2019 https://stileex.xyz/modele-speaking/
[7] رضوان بوجمعة، مرجع سبق ذكره، ص ص 102، 103.
*أطلق ديل هايمز في بحث منشور عام «1962م» مصطلح إثنوغرافيا الكلام Ethnography of Speech، وأعاد تسميتها في بحث لاحق باسم نحو إثنوغرافيا التواصلTowards Ethnography of Communication، وذلك لاستيعاب صفات التواصل غير المسموعة وغير اللفظية، على الرغم من استمرار باحثي إثنوغرافيا التواصل بالتركيز على الكلام على اعتباره من الوسائل البارزة والرئيسية في التواصل.
التقييم النهائي وأسئلة الخروج
أدت التحولات التي تعرفها المجتمعات الإنسانية جراء الاندماج المتزايد للتكنولوجيا الاتصالية وتقنيات الذكاء الاصطناعي بالحياة الاجتماعية للإنسان إلى تحولات كبيرة في طبيعة الممارسات والتفاعلات عبر الفضاء الرقمي، وهو ما يستدعي ضرورة البحث في الظواهر المستجدة من خلال عدد من الأدوات والأساليب البحثية بشقيها الكمي والكيفي وتحديثها بما يتوافق مع خصائص البيئة الرقمية ومن ببين هذه الأساليب البحثية يظهر المنهج الانثوغرافي الافتراضي.
بناء على ما سبق؛ حدد ما يلي:
- خصوصية البحث الاثنوغرافي في البيئة الرقمية
_ المشكلات المنهجية التي يثيرها البحث الاثنوغرافي الافتراضي.
- الخطوات المنهجية التي يتبعها البحث الاثنوغرافي في البيئة الرقمية.
قائمة المراجع
- أحمدأبو هلال، مقدمة في الأنثروبولوجيا التربوية، المطابع التعاونية، الأردن، 1974.
- التيجاني مياطة، الأنثروبولوجيا الثقافية دراسة حضارية أثرية- محاضرات من مقرر السنة الأولى ماستر تاريخ الحضرات القديمة، جامعة الشهيد حمى لخضر الوادى، 2021.
- حسين فهيم، قصة
الأنثروبولوجيا: فصول في تاريخ علم الإنسان، عالم المعرفة، الكويت.
- عيسى الشماس، مدخل إلى علم الإنسان (الأنثروبولوجيا) -دراسة- منشورات اتحاد الكتاب العربي، دمشق، 2004.
- فريدريك بارث وآخرون، الأنثروبولوجيا: حقل علمي واحد وأربعة مدارس، تر: أبو بكر أحمد باقادر وإيمان الوكيلي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، قطر، بيروت 2017.
- فهد سلطان السلطان، من الفصل الدراسي إلى المجتمع: تطبيقات الأنثروبولوجيا التربوية في الميدان التربوي، مجلة كلية التربية ببنها، العدد 110، أبريل 2017.
- فوزية زنقوفي، مدخل إلى الأنثروبولوجيا، مطبوعة جامعية موجهة لطلبة السنة الأولى ل- م-د، جامعة 8 ماي 1945 قالمة، 2021/2022.
- كريمة شعبان، الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، مطبوعة بيداغوجية، جامعة الجزائر 3، 2019.
- محمد الجوهري وعلياء شكرى، مقدمة في دراسة الأنثروبولوجيا، القاهرة، 2008.
- Thomas Hylland Eriksen, What is Anthropology?, 2nd Edition, British Library Cataloguing in Publication Data, 2017.
- Zerihun Doda,M.A, Introduction to Sociocultural Anthropology, the Ethiopia Ministry of Education, Debub University, 2005.
- E. Goffman, La mise en scène de la vie quotidienne (2 vol.), Minuit, 1973.
- E. Goffman, Les rites d’interaction, Minuit, 1974.
- Y. Grafmeyer, I. Joseph, L’école de Chicago, naissance de l’écologie urbaine, Flammarion, coll. Champs, 2004.
- E. T. Hall, La dimension cachée, Seuil, 1971.
- P. Watzlawick (et al.), Une logique de la communication, Seuil, 1972.
- Y. Winkin, Anthropologie de la communication, de la théorie au terrain, Seuil, 2001.




